.................................................................................................
______________________________________________________
فحكم العقل بوجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة لأجل احتمال الضرر الاخروي إرشادي لا يترتّب على موافقته ومخالفته سوى ما يترتّب على نفس الواقع ، بخلاف حكمه في الضرر الدنيوي المظنون.
وهذا الذي ذكرناه في الفرق بين الضّرر الاخروي المحتمل والضرر الدنيوي المظنون هو الذي صرّح به المصنّف قدسسره في التنبيه الثاني من تنبيهات الشبهة المحصورة.
فالتدافع بين المقامين واضح بيّن ، فراجع ولاحظ. وفي بعض النسخ قد وقع الأمر بالتأمل بعد قوله «عدم الضرر فيه». ولعلّه إشارة إلى ما قدّمناه من كون الظنّ في باب الضرر الدنيوي مأخوذا من باب الطريقيّة إلى الواقع وجزءا من موضوع الحكم الظاهري ، فحينئذ يندفع التنافي بين المقامين.
ثمّ إنّ ظاهر المحقّق حيث حكم ببطلان الغسل فيما لو ظنّ إضرار استعمال الماء بالبدن ثمّ انكشف خلاف ما ظنّه ـ كما أسلفناه ـ هو كون الحكم المرتّب على الظنّ حكما واقعيّا لا ظاهريّا ، وإلّا لكان الأوفق بالقواعد هو الحكم بصحّة الغسل في الصورة المفروضة ، لموافقته للأمر الواقعي ، ومجرّد مخالفة الأمر الظاهري لا يوجب البطلان مع الموافقة للواقع.
لا يقال : إنّ الحكم بالبطلان لعلّه لعدم تأتّي قصد القربة مع مخالفة الأمر الظاهري.
لأنّا نقول : إنّ الكلام في المقام من حيث الحكم بالصحّة أو الفساد ليس من هذه الحيثيّة ، بل من حيث مخالفة الحكم المرتّب على ظنّه مع انكشاف خلافه بعد الفراغ من العمل مع قطع النظر عن الحيثيّة المذكورة. ويمكن أن يستدلّ عليه بأنّ المستفاد من قوله تعالى : (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) هو مبغوضيّة جعل النفس في معرض الهلاكة ، سواء كانت في الواقع مهلكة أيضا أم لا ، لصدق النهي مع الإقدام مع ظنّ الضرر وإن لم يكن ضرر في الواقع. فموضوع الحرمة هو جعل النفس في عرضة الهلاكة لا الهلاكة الواقعيّة. ويؤيّده أنّ القبيح في حكم العقل أيضا هو العنوان المذكور ، لا الوقوع في الهلاكة الواقعيّة بالخصوص. وعلى هذا فالضرر الواقعي ليس بموضوع الحرمة أصلا ، بل الحرمة مرتّبة في الواقع على العنوان المذكور الصادق بظنّ الضرر وإن لم يكن ضرر في الواقع ، فحينئذ لا ترتبط مسألة ظنّ الضرر بما نحن فيه أصلا كما لا يخفى.
![فرائد الأصول [ ج ١ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4226_faraed-alusul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
