.................................................................................................
______________________________________________________
شكر المنعم لكلّ أحد لمّا كان ثابتا عندهم ، فأطلقوا القول بأنّ تارك الفحص عن نبيّ زمانه لأجل استلزامه ترك الشكر معاقب. فغرضهم أنّ أثر حكم العقل بوجوب دفع الضرر الاخروي المحتمل إنّما يظهر في الضرر الثابت شرعا ، إذ لا مانع حينئذ من ترتّب العقاب على المخالفة بمجرّد احتماله ، لإتمام الحجّة حينئذ بحكم العقل ، لا أنّ العقاب المحتمل يترتّب على المخالفة على كلّ تقدير وإن لم يكن ثابتا في الواقع أيضا.
هذا غاية توضيح ما استظهره المصنّف قدسسره من فتاوى العلماء من كون الاعتقاد المجرّد عن الواقع منشأ لحكم شرعيّ يناسبه. ولكنّه بعد لا يخلو عن نظر بل منع ، وذلك لأنّ ما استظهره منه كما عرفت أمران ، أحدهما : حكمهم بترتّب الحكم الشرعيّ على الضرر الدنيوي المظنون وإن لم يكن ضررا في الواقع. وقد استظهرنا كون هذا الظنّ معتبرا من باب الطريقيّة دون الموضوعيّة حتّى يتمّ المدّعى لأمرين. ولكن عند التأمّل لا شهادة لهما بذلك ، إذ الظاهر أنّ الظنّ المتعلّق بالضرر الدنيوي معتبر عندهم من باب الموضوعيّة ، إذ الظاهر أنّ هذا الظنّ عندهم كسائر الظنون الشرعيّة ، كالبيّنة في الموضوعات وخبر العدل في الأحكام ، فإنّ ذلك كلّه عندهم على وتيرة واحدة. وظاهر المشهور التزام الثواب والعقاب على مطابقة الأوامر الظاهريّة ومخالفتها وإن تخلّفت عن الواقع ، لكون الحكم الظاهري مرتّبا على الظنّ المستفاد من هذه الأمارات طابق الواقع أم لا ، فيكون الظنّ حينئذ جزءا من موضوع الحكم الظاهري. فالحكم الواقعي فيما نحن فيه وإن كان مرتّبا على الضرر الواقعي ، إلّا أنّ الحكم الظاهري مرتّب على الظنّ به مطلقا.
فمن هنا يظهر أنّ عدّهم من مسوّغات التيمّم نفس الضرر كما تقدّم لا ينافي القول بموضوعيّة الظنّ من الحكم الظاهري. ولا ينافيه أيضا كون الاحتمال معتبرا في قضيّة حكم العقل بوجوب دفع الضرر الاخروي المحتمل من باب الطريقيّة ، لوضوح الفرق بينهما ، إذ احتمال الضرر الاخروي كالقطع به لا يعقل كونه منشأ لحكم شرعيّ آخر سوى الحكم المحتمل في الواقع ، إذ الاحتمال لا يزيد على القطع. ولا ريب أنّه إذا قطع بعقاب اخروي ، فلو كان هذا القطع سببا لحكم آخر سوى المقطوع به فيحصل القطع بعقاب آخر لمخالفة هذا الحكم أيضا ، وهكذا فيتسلسل ، بخلاف الظنّ بالضرر الدنيوي.
![فرائد الأصول [ ج ١ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4226_faraed-alusul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
