.................................................................................................
______________________________________________________
قلت : إنّ الانكشاف المذكور من الامور القهريّة العقليّة اللازمة للقضيّة المذكورة ، والتنزيلات الشرعيّة لا تثبت اللوازم العقليّة حتّى تثبت بواسطتها الاحكام الشرعيّة المرتّبة على هذه اللوازم ، وإلّا لكانت الاصول المثبتة حجّة لا محالة.
وممّا يوضّح ما ذكرناه ـ من عدم إثبات الأمارات المجعولة للأحكام المرتّبة على الواقع بوصف الانكشاف ـ أنّ الاحكام من قبيل الاعراض التي لا قوام لها بدون معروضاتها ، فهي لا تثبت بدون إثبات موضوعاتها ، وقد عرفت أنّ الأمارات لا تثبت صفة الانكشاف ، اللهمّ إلّا أن يدّعى أنّ هذه الصفة لمدلولات الأمارات أيضا شرعيّة ، بأن يدّعى أنّ الأدلّة الدالّة على اعتبار الأمارات متكفّلة لإنشاء أمرين ، أحدهما : تنزيل مدلولاتها منزلة نفس الواقع ، وثانيهما : إنشاء صفة الانكشاف لهذه المدلولات ، فمقتضى هذه الأدلّة كون الأمارات مثبتة لكلّ من الأمرين ، فيترتّب على كلّ منهما حكمه. ولكنّك خبير بأنّ هذين أمران متغايران ، وثانيهما متأخّر رتبة عن الأوّل ، فهما محتاجان إلى إنشاءين مختلفين ، وأدلّة الإنشاء غير قابلة لإرادة هذين الإنشاءين ، وإلّا لزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد. فظهر من ذلك أنّا لو قلنا بكون صفة الانكشاف من الامور الشرعيّة أيضا دون العقليّة لا تثبتها الأمارات ، فمع ذلك كيف يدّعى قيامها مقام العلم الذي أخذ جزءا من موضوع الحكم الواقعي؟
نعم هنا شيء ، وهو أنّه لو قامت البيّنة على أنّ المائع الخارجي بول معلوم مثلا ، أمكن أن يرتّب عليه الحكم المرتّب على البول المعلوم كالنجاسة ، بناء على ترتّبها على الموضوعات المعلومة على ما يراه صاحب الحدائق كما تقدّم ، فإنّه مقتضى تنزيل مدلول البيّنة منزلة نفس الواقع ، فإنّه لا فرق في عموم هذا التنزيل بين إخبار البيّنة عن الواقع وإخباره عن العلم ، فإنّ مقتضى التنزيل فرض كلّ منهما محقّقا في الواقع. ولكن هذا خارج من محلّ الكلام كما لا يخفى ، مع أنّه أيضا لا يخلو عن إشكال ، فإنّ موضوع النجاسة على مذهب صاحب الحدائق هو الموضوع المنكشف لنفس المكلّف دون غيره.
![فرائد الأصول [ ج ١ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4226_faraed-alusul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
