فإن قلت : ما الفرق بين هذا الوجه الذي مرجعه إلى المصلحة في العمل بالأمارة وترتيب أحكام الواقع على مؤدّاها وبين الوجه السابق الراجع إلى كون قيام الأمارة سببا لجعل مؤدّاها (*) على المكلّف؟ مثلا إذا فرضنا قيام الأمارة على وجوب صلاة الجمعة مع كون الواجب في الواقع هي الظهر ، فإن كان في فعل الجمعة مصلحة يتدارك بها ما يفوت بترك صلاة الظهر ، فصلاة الظهر في حقّ هذا الشخص خالية عن المصلحة الملزمة ، فلا صفة تقتضي وجوبها الواقعي ، فهنا وجوب واحد ـ واقعا وظاهرا ـ متعلّق بصلاة الجمعة. وإن لم تكن في فعل الجمعة صفة كان الأمر بالعمل بتلك الأمارة قبيحا ، لكونه مفوّتا للواجب مع التمكّن من إدراكه بالعلم.
فالوجهان مشتركان في اختصاص الحكم الواقعي بغير من قام عنده الأمارة على وجوب صلاة الجمعة ، فيرجع الوجه الثالث إلى الوجه الثاني ، وهو كون الأمارة سببا لجعل مؤدّاها هو الحكم الواقعي لا غير وانحصار الحكم في المثال بوجوب صلاة الجمعة ، وهو التصويب الباطل.
قلت : أمّا رجوع الوجه (١٧٨)
______________________________________________________
١٧٨. اعلم أنّ المصنّف رحمهالله قد حاول في هذا الجواب الجمع بين امور :
أحدها : بيان الفرق بين الوجهين. وحاصله : أنّ مقتضى الوجه الثاني هو جعل مؤدّى الأمارة بسبب ما يحدث في الفعل من المصلحة ، بمعنى كون ذلك حكما واقعيّا في حقّ من قامت عنده ، بحيث لو انكشف خلافها بالعلم أو بأمارة اخرى انقلب حكمه الواقعي بسبب انقلاب موضوعه الواقعي ، كصيرورة الحاضر مسافرا والصحيح مريضا. فإذا قامت الأمارة على وجوب الجمعة ، وفرض كون الواقع وجوب الظهر ، كان حكمه الواقعي وجوب الجمعة ، وإذا انكشف خلافها انقلب حكمه الواقعي إلى وجوب الظهر ، لأجل تبدّل المصالح بانكشاف الخلاف.
ومقتضى الوجه الثالث هي الرخصة في العمل بمؤدّى الأمارة ، وفرض
__________________
(*) في بعض النسخ زيادة : هو الحكم الواقعي.
![فرائد الأصول [ ج ١ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4226_faraed-alusul-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
