(قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ) (٢٨)
هيبة والمجالس أبّهة ، أو لأنهم ملئوا بالأحلام والآراء الصائبة (ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا) أرادوا أنه كان ينبغي أن يكون ملكا أو ملكا (وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا) أخساؤنا جمع الأرذل (بادِيَ) وبالهمزة أبو عمرو (الرَّأْيِ) وبغير همز أبو عمرو ، أي اتبعوك ظاهر الرأي ، أو أول الرأي ، من بدا يبدو إذا ظهر ، أو بدأ يبدأ إذا فعل الشيء أولا ، وانتصابه على الظرف ، أصله وقت حدوث ظاهر رأيهم ، أو أول رأيهم ، فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه ، أرادوا أنّ اتّباعهم لك شيء عنّ لهم بديهة من غير روية ونظر ، ولو تفكروا ما اتبعوك ، وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخّرهم في الأسباب الدنيوية ، لأنهم كانوا جهالا ما كانوا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا ، فكان الأشرف عندهم من له جاه ومال كما ترى أكثر المتشبّهين (١) بالإسلام يعتقدون ذلك ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم ، ولقد زلّ عنهم إنّ التقدم في الدنيا لا يقرّب أحدا من الله وإنما يبعده ولا يرفعه بل يضعه (وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ) في مال ورأي يعنون (٢) نوحا وأتباعه (بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ) أي نوحا في الدعوة وأنتم (٣) في الإجابة والتصديق ، يعني تواطأتم على الدعوة والإجابة تسبيبا للرياسة.
٢٨ ـ (قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ) أخبروني (إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ) برهان (مِنْ رَبِّي) وشاهد منه يشهد لصحة (٤) دعواي (وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ) يعني النبوة (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) (٥) أي خفيت. فعمّيت حمزة وعلي وحفص ، أي أخفيت ، أي فعميت عليكم البينة فلم تهدكم ، كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغيرها ، وحقيقته أنّ الحجّة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء ، لأنّ الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيره (أَنُلْزِمُكُمُوها) أي الرحمة (وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ) لا تريدونها ، والواو دخلت هنا تتمة للميم ، وعن أبي عمرو إسكان الميم ، ووجهه أنّ الحركة لم تكن إلا خلسة خفيفة فظنها الراوي سكونا وهو لحن ، لأنّ الحركة الإعرابية لا يسوّغ طرحها إلّا في ضرورة الشعر.
__________________
(١) في (ظ) المقسمين ، وفي (ز) المتسمين.
(٢) في (ظ) و (ز) عنوا.
(٣) في (ز) ومتبعيه.
(٤) في (ظ) و (ز) بصحة.
(٥) في مصحف النسفي فعميت وهي قراءة.
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
