(وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) (١٦)
١٥ ـ (وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ) لما لقوا منهم من المكروه ، وقد حصّل الله هذه المواعيد كلّها ، فكان دليلا على صحة نبوته (وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ) ابتداء كلام وإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره ، وكان ذلك أيضا ، فقد أسلم ناس منهم كأبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل (١) وسهيل بن عمرو (٢) ، وهي تردّ على المعتزلة قولهم إنّ الله تعالى شاء أن يتوب على جميع الكفرة لكنهم لا يتوبون باختيارهم (وَاللهُ عَلِيمٌ) يعلم ما سيكون كما يعلم ما قد كان (حَكِيمٌ) في قبول التوبة.
١٦ ـ (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ) أم منقطعة ، والهمزة فيها للتوبيخ على وجود الحسبان ، أي لا تتركون على ما أنتم عليه حتى يتبيّن الخلّص (٣) منكم ، وهم الذين جاهدوا في سبيل الله لوجه الله (وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً) أي بطانة من الذين يضادون رسول الله صلىاللهعليهوسلم والمؤمنين ، ولمّا معناها التوقّع وقد دلت على أنّ تبيّن ذلك متوقع كائن ، وأنّ الذين لم يخلصوا دينهم لله يميّز بينهم وبين المخلصين ، ولم يتخذوا معطوف على جاهدوا داخل في حيز الصلة ، كأنه قيل ولمّا يعلم الله المجاهدين منكم والمخلصين غير المتخذين وليجة من دون الله ، والمراد بنفي العلم نفي المعلوم كقولك ما علم الله مني ما قيل فيّ ، تريد ما وجد ذلك مني ، والمعنى أحسبتم أن تتركوا بلا مجاهدة ولا براءة من المشركين (وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) من خير أو شرّ فيجازيكم عليه.
__________________
(١) عكرمة بن أبي جهل (عمرو بن هشام) المخزومي القرشي ، من صناديد قريش في الجاهلية والإسلام أسلم بعد فتح مكة وحسن إسلامه ، ولي الأعمال لأبي بكر ، ولد عام ٥١ ق. ه ومات عام ١٣ ه (الأعلام ٤ / ٢٤٤).
(٢) سهيل بن عمرو بن عبد شمس القرشي العامري من لؤي ، خطيب قريش وأحد ساداتها ، أسره المسلمون يوم بدر وافتدي فأقام على دينه إلى يوم الفتح فأسلم ، وهو الذي تولى أمر صلح الحديبية مات في الشام عام ١٨ ه (الأعلام ٣ / ١٤٤).
(٣) في (ز) المخلص.
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
