الصلح أمن الناس في تلك المدّة الحرب والفتنة ، وامتزجوا وعلت دعوة الإسلام ، / وانقاد إلى الإسلام كلّ من له فهم ، وزاد عدد الإسلام في تلك المدة أضعاف ما كان قبل ذلك ؛ قال* ع (١) * : ويقتضي ذلك أنّ النبيّ صلىاللهعليهوسلم ، كان في عام الحديبية في أربع عشرة مائة ، ثم سار إلى مكّة بعد ذلك بعامين في عشرة آلاف فارس ـ صلىاللهعليهوسلم ـ.
* ت* : المعروف عشرة آلاف ، وقوله فارس ما أظنّه يصحّ فتأمله في كتب السيرة.
(لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً(٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً)(٢٨)
وقوله سبحانه : (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ...) الآية : «روي في تفسيرها أن النبي صلىاللهعليهوسلم رأى في منامه عند خروجه إلى العمرة أنّه يطوف بالبيت هو وأصحابه ، بعضهم محلّقون ، وبعضهم مقصّرون» (٢) وقال مجاهد : رأى ذلك بالحديبية فأخبر الناس بهذه الرؤيا ، فوثق الجميع بأنّ ذلك يكون في وجهتهم تلك ، وقد كان سبق في علم الله أنّ ذلك يكون ، لكن ليس في تلك الوجهة ، فلمّا صدّهم أهل مكّة قال المنافقون : وأين الرؤيا؟ ووقع في نفوس بعض المسلمين شيء من ذلك ، فأجابهم النبي صلىاللهعليهوسلم بأن قال : «وهل قلت لكم : يكون ذلك في عامنا هذا» ، أو كما قال ، ونطق أبو بكر قبل ذلك بنحوه (٣) ، ثم أنزل الله عزوجل : (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ...) الآية ، واللام في : (لَتَدْخُلُنَ) لام القسم.
وقوله : (إِنْ شاءَ اللهُ) اختلف في هذا الاستثناء ، فقال بعض العلماء : إنّما استثنى من حيث إنّ كلّ واحد من الناس متى ردّ هذا الوعد إلى نفسه ، / أمكن أن يتمّ الوعد فيه وألّا يتمّ ؛ إذ قد يموت الإنسان أو يمرض لحينه ، فلذلك استثنى عزوجل في الجملة ؛ إذ فيهم ـ ولا بدّ ـ من يموت أو يمرض.
* ت* : وقد وقع ذلك حسبما ذكر في السّير ، وقال آخرون : هو أخذ من
__________________
(١) ينظر : «المحرر الوجيز» (٥ / ١٣٨)
(٢) أخرجه الطبري (١١ / ٣٦٧) برقم : (٣١٦٠٢) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦ / ٧٩)
(٣) أخرجه الطبري (١١ / ٣٦٧) برقم : (٣١٦٠١) ، وذكره ابن عطية (٥ / ١٣٩) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦ / ٧٩) ، وعزاه للفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والبيهقي في «الدلائل».
![تفسير الثعالبي [ ج ٥ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4073_tafsir-alsaalabi-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
