وقوله سبحانه : (وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ) أي : أبصار أصحاب الأعراف ، فهم يسلمون على أصحاب الجنة ، وإذا نظروا إلى النار ، وأهلها ، قالوا : (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) قاله ابن عباس (١) ، وجماعة من العلماء.
وقوله سبحانه : (وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ) يريد من أهل النار.
(ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ) «ما» استفهام بمعنى التّقرير ، والتوبيخ ، و «ما» الثانية مصدرية ، و «جمعكم» لفظ يعم المال والأجناد والخول.
وقوله سبحانه : (أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) أهل الأعراف هم القائلون : «أهؤلاء» إشارة إلى أهل الجنة ، والذين خوطبوا هم أهل النار ، والمعنى : أهؤلاء الضّعفاء في الدنيا الذين حلفتم أن الله لا يعبؤبهم ، قيل لهم : ادخلوا الجنة.
وقال النقاش : أقسم أهل النّار أن أصحاب الأعراف داخلون النّار (٢) معهم ، فنادتهم الملائكة : أهؤلاء ، ثم نادت أصحاب الأعراف : ادخلوا الجنة.
وقرأ عكرمة (٣) : «دخلوا الجنّة» على الإخبار بفعل ماض.
(وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١) وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ)(٥٣)
وقوله سبحانه : (وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ ...) الآية : لفظة النداء تتضمن أن أهل النار وقع لهم علم بأن أهل الجنّة يسمعون نداءهم ،
__________________
(١) أخرجه الطبري (٥ / ٥٠٥) برقم : (١٤٧٤٣) بلفظ : «إن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار وعرفوهم قالوا : (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ، وذكره ابن عطية (٢ / ٤٠٥) بمثله ، وابن كثير (٢ / ٢١٨) بنحوه.
(٢) ذكره ابن عطية (٢ / ٤٠٦) ، والبغوي (٢ / ١٦٣) بنحوه ، والسيوطي (٣ / ١٦٦) بنحوه ، وعزاه للربيع.
(٣) ينظر : «الشواذ» (٤٩) ، و «الكشاف» (٢ / ١٠٧) ، و «المحتسب» (١ / ٢٤٩) ، و «المحرر الوجيز» (٢ / ٤٠٦) ، و «البحر المحيط» (٤ / ٣٠٦) ، و «الدر المصون» (٣ / ٢٧٦)
![تفسير الثعالبي [ ج ٣ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4071_tafsir-alsaalabi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
