شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(١١٠)
وقوله سبحانه : (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ...) الآية : هذه الآية صيغتها صيغة أمر مضمّنها الوعيد.
وقال الطبري (١) : المراد بها الذين اعتذروا من المتخلّفين وتابوا.
قال* ع (٢) * : والظاهر أن المراد بها الذين اعتذروا ، ولم يتوبوا وهم المتوعّدون ، وهم الذين في ضمير (أَلَمْ يَعْلَمُوا) ، ومعنى : (فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ) ، أي : موجودا معرّضا للجزاء عليه بخير أو بشرّ.
وقال ابن العربيّ (٣) في «أحكامه» : قوله سبحانه : (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ) هذه الآية نزلت بعد ذكر المؤمنين ، ومعناها : الأمر ، أي : اعملوا بما يرضي الله سبحانه ، وأمّا الآية المتقدّمة ، وهي قوله تعالى : (قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ) [التوبة : ٩٤] ؛ فإنها نزلت بعد ذكر المنافقين ، ومعناها : التهديد ؛ وذلك لأن / النفاق موضع ترهيب ، والإيمان موضع ترغيب ، فقوبل أهل كلّ محلّ من الخطاب بما يليق بهم. انتهى.
وقوله سبحانه : (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ) : عطف على قوله أولا : (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا) : ومعنى الإرجاء : التأخير ، والمراد بهذه الآية فيما قال ابن عباس وجماعة : الثلاثة الذين خلّفوا ، وهم كعب بن مالك ، وصاحباه ؛ (٤) على ما سيأتي إن شاء الله ، وقيل : إنما نزلت في غيرهم من المنافقين الذين كانوا معرّضين للتوبة مع بنائهم مسجد الضّرار ، وعلى هذا : يكون (الَّذِينَ اتَّخَذُوا) بإسقاط واو العطف بدلا من (آخَرُونَ) ، أو خبر مبتدأ ، تقديره : هم الذين ، وقرأ عاصم (٥) وعوامّ القرّاء ، والنّاس في كل قطر إلّا ب «المدينة» :
__________________
(١) ينظر : «الطبري» (٦ / ٤٦٧)
(٢) ينظر : «المحرر الوجيز» (٣ / ٨٠)
(٣) ينظر : «أحكام القرآن» (٢ / ٩٩٦)
(٤) سيأتي إن شاء الله تعالى.
(٥) وكذلك هي في مصاحف أهل الشام.
ينظر : «معاني القراءات» (١ / ٤٦٤) ، و «إعراب القراءات» (١ / ٢٥٦) ، و «العنوان» (١٠٣) ، و «شرح الطيبة» (٤ / ٣٤١) ، و «شرح شعلة» (٤١٥) ، و «إتحاف» (٢ / ٩٨)
![تفسير الثعالبي [ ج ٣ ] تفسير الثعالبي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4071_tafsir-alsaalabi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
