ذلك الفراغ لغيرها من الصلوات من صلاة المغرب والعشاء ؛ لأنها بقرب من الأشغال والحوائج ، ألا ترى أن الجهر بالقراءة إنما جعل في الأوقات التي هي أوقات الفراغ عن الاشتغال : وهي المغرب والعشاء ، ثم وقت الفجر هو أخلى وقت عن غيره ؛ لأنه بعد فراغ النوم ، وقبل هجوم وقت التقلب ، فالقراءة فيها والقلوب أشهد لها ، لكن أهل التأويل صرفوا ذلك إلى ما ذكرنا ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ).
قال بعضهم : النافلة : الغنيمة ، كقوله : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ) [الأنفال : ١] ، أي : الغنائم ، وقوله ـ عزوجل ـ : (نافِلَةً لَكَ) ، أي : غنيمة لك تغنم بها غنائم أو كلام نحو هذا.
وقال الحسن (١) : قوله : (نافِلَةً لَكَ) : أي : خالصة لك ، وخلوصها له وهو ألا يغفل هو عن شيء منها في حال من الأحوال ، وغيره من الناس يغفلون فيها عن أشياء.
وقال بعضهم (٢) : ذكر أنه نافلة له ؛ لأنه كان مغفورا له فما يعمل يكون له نافلة ، وأما غيره فإن ما يعمل من الخيرات يكون كفارة لذنوبهم فلا يكون لهم نافلة ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً).
قال : (يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) ، تحمد عاقبته بالتهجد ، أي : يبعثك ربك مقاما تحمد أنت تلك العاقبة جزاء بتهجدك في الدنيا.
وقال بعضهم : (مَقاماً مَحْمُوداً) ما يحمده كل الخلائق الأولون والآخرون.
وقال بعضهم : (مَقاماً مَحْمُوداً) هو مقام الشفاعة ، والله أعلم ، أي : تشفع لأمتك وأهل العصيان منهم.
وجائز أن يكون هو صلة قوله ـ ما تقدم من قوله : (فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً) [الإسراء : ٢٢] ، وقوله : (فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) [الإسراء : ٢٩] ، وقوله : (فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً) [الإسراء : ٣٩] ، وما ذكر من المواعيد لما سمع هذا وقرع سمعه أخافه ذلك وأفزعه ؛ فنزل قوله : (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) إن عبدت الله وأطعته في جميع أموره ونواهيه ، وأقمت له الصلاة والصيام.
وقوله ـ عزوجل ـ : (رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) :
__________________
(١) أخرجه ابن المنذر ، كما في الدر المنثور (٤ / ٣٥٦).
(٢) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير (٢٢٦١٨) ، وابن المنذر ومحمد بن نصر والبيهقي في الدلائل ، كما في الدر المنثور (٤ / ٣٥٦).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٧ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3973_tawilat-ahl-alsunna-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
