وذلك لأنا بينا : أن صدور الفعل عن القادر يتوقف على حصول الداعية المخصوصة في قلبه. وحصول تلك الداعية بعينها في قلبه ، ليس بداعية أخرى من قبل العبد وإلا لزم التسلسل. بل لا بد وأن يكون من الله ، وحينئذ يلزم أن [يكون (١)] العبد غير مستقل لا بالفعل ولا بالترك. فهذا الذي أوردتموه علينا ليس اعتراضا على كلامنا بل هو تأكيد ، وتقوية ، وتقرير له فظهر أن هذا السؤال الذي ذكروه : سؤال ساقط ، لا يصدر إلا عن قلة الفهم.
والوجه الثاني في الجواب : إنكم إما أن تقولوا : إن القادر على الضدين ، يترجح صدور أحد الضدين عنه من غير مرجح البتة. أو تقولوا : القادر يرجح أحد مقدوريه على الثاني من غير مرجح. والأول باطل. لأنا نجد من أنفسنا بالضرورة : أن الذي يمشي في السوق إلى موضع ، إذا وقع في قلبه : أن الرجوع عن ذلك الجانب إلى جانب آخر : مصلحة من وجه. فإنه متى تعادلت الداعيتان في قلبه ، ولم يترجح أحدهما على الآخر البتة ، فإن ذلك الإنسان يبقى في ذلك الموضع ، ولا يمكنه أن يتقدم أو يتأخر ويبقى (٢) على تلك الحالة إلى أن يقع في قلبه : أن أحد الجانبين أكثر مصلحة. وعند ظهور هذا الرجحان يترجح الإذهاب إلى ذلك الجانب. فثبت : أن القول بأنه يصدر عنه أحد الضدين من غير أن يكون هو مرجحا لذلك [الضد (٣)] كلام تدفعه بديهة العقل. وأيضا : فهل يقبل العقل أن يقال : العطشان إذا خير بين شرب قدحين ، ثم أنه لا يمد يده إلى أحدهما ، ولا يخص أحدهما بالأخذ والرفع. بل لمجرد كونه قادرا يرتفع أحد القدحين إلى فمه ، وينصب ذلك الماء في حلقه؟ فهذا مما يعلم (٤) بطلانه ببديهة العقل.
وأما إن [قيل : إن (٥)] القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر لا
__________________
(١) من (م)
(٢) لم يبق (ط ، ل)
(٣) من (ط ، ل)
(٤) لا يعلم (م)
(٥) من (ط ، ل)
![المطالب العالية من العلم الإلهي [ ج ٩ ] المطالب العالية من العلم الإلهي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3642_almatalib-alalia-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
