فنقول : هذا مغالطة. وذلك لأن الفعل كان معدوما. وعدمه كان مستمرا من الأزل إلى الأبد. والعدم المستمر لا يحتاج إلى المقتضى. فنقول : عند حصول الداعية المرجحة لجانب الوجود. الأولى دخوله في الوجود. وإن كان لا يمتنع بقاؤه على ذلك العدم الأصلي المستمر. ولا نقول : إن هذه القدرة إنما تترجح بسبب الداعية المرجوحة ، وهي (١) داعية الترك. لأن بقاء المعدوم على عدمه الأصلي ، لا يحتاج إلى مرجح ، بل يكون استمراره على ما كان عليه ، لنفسه. وعلى هذا التقدير ، فقد زال المحال الذي ذكرتموه.
والجواب عن السؤال الأول : إننا نسلم : أنا نجد من أنفسنا : أنا إن شئنا الفعل : فعلنا. وإن شئنا الترك : تركنا. ولكنا لا نجد من أنفسنا : أنا إن شئنا [أن نشأ (٢)] الفعل : حصلت لنا مشيئة الفعل. وإن شئنا أن نشأ الترك : حصلت لنا مشيئة الترك. وإلا لعاد الكلام في تلك المشيئة. ويلزم افتقارها إلى مشيئة ثالثة. ويلزم التسلسل. بل نجد قطعا ويقينا من أنفسنا : أنه قد يحصل في قلبنا مشيئة الفعل ، لا لأجل مشيئة أخرى سابقة عليها [وقد يحصل مرة أخرى مشيئة الترك ، لا لأجل مشيئة أخرى سابقة عليها (٣)] ونجد أيضا : أنه إذا حصلت المشيئة الجازمة للفعل ، في (٤) قلوبنا ، فإنه يحصل الفعل لا محالة. وإذا حصلت المشيئة الجازمة للترك في قلوبنا (٥) حصل الترك. فإذا اعتبرنا هذه الامور ، علمنا : أنه ليس حصول المشيئة فينا : بنا. وليس ترتب الفعل [الحصول (٦)] مشيئة الفعل : بنا بل هذه أمور مترتب بعضها على البعض. والمبدأ (٧) من خلق الله. فيكون الكل من الله. فثبت بما ذكرنا : أن هذا الاعتبار الذي نجده من أنفسنا : من أدل الدلائل على أن الكل من الله ، وأن الانسان مضطر في صورة مختار.
وأما السؤال الثاني : وهو طلب الفرق بين المؤثرات الطبيعية ، وبين
__________________
(١) وهذه (م).
(٥) قلبنا (ط ، ل)
(٢) من (ط)
(٦) من (ط ، ل)
(٣) من (ط ، ل)
(٧) ومبدأ [الأصل]
(٤) حصلت في قلوبنا (م)
![المطالب العالية من العلم الإلهي [ ج ٩ ] المطالب العالية من العلم الإلهي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3642_almatalib-alalia-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
