يفعل ما عنده يحصل الضحك والبكاء ، يقال : أضحكني كلامك ، وأبكاني وعظك. والثاني : سلمنا : أنه عبارة عن فعل الضحك والبكاء. لكنه إخبار عن أمر في الماضي. فيقتضي ذلك مرة واحدة. فلم قلتم : إن ضحكنا وبكاءنا هو تلك المرة؟.
وأما قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) فهو محمول على الإقدار والتمكين. كما يقال : سير الأمير جنده إلى بلدة كذا. فإن الفهم يسبق إلى ما ذكرناه.
وأما قوله : (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ. وَلكِنَّ اللهَ رَمى) فنقول : الفعل دل على امتناع وقوع الأثر الواحد بمؤثرين ، فوجب أن يحمل أحد الجانبين على المجاز. ثم إن الرمي يذكر ويراد به الإضافة. يقال : رمية من غير رامي. فكان التقدير : وما رميت عن علم ومعرفة وجزم بحصول المقصود. ولكن الله رمى ، أي ولكن الله أوصله إلى المقصود.
وأما قوله : (كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ) فالسؤال عليه ما تقدم في قوله : (أَضْحَكَ وَأَبْكى) فإنه إذا قيل أخرج الأمير فلانا من البلد ، لم يفهم منه البتة : أنه فعل منه ماهية الخروج ، بل السابق إلى الافهام : أنه كلفه بالخروج وألجأه إليه. سلمنا : أنه يقتضي نفس الخروج ، ولكنه لا يقتضي إلا مرة واحدة. فلم يتناول محل النزاع : والجواب : إن جميع الوجوه التي ذكرتموها عدول عن الحقيقة إلى المجاز. وذلك خلاف الظاهر.
وليس لهم أن يقولوا : دلت الدلائل العقلية على فساد القول بأن الله تعالى موجد لأفعال العباد ، فلا جرم حملنا هذه الآيات على مجازاتها. لأنا نقول : قد سبقت دلائلنا العقلية ، بحيث بلغت في القوة إلى قلع الجبال ، وهدم السموات.
الحجة الرابعة : قوله تعالى : (فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) (١) وقوله : (إِنَّ اللهَ
__________________
(١) سورة البروج ، آية : ١٦.
![المطالب العالية من العلم الإلهي [ ج ٩ ] المطالب العالية من العلم الإلهي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3642_almatalib-alalia-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
