يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) (١) ولا نزاع أنه تعالى أراد الإيمان. أما عندكم فمن الكل. وأما عندنا فمن المؤمن. فوجب أن يكون هو الفاعل لإيمانه ، بحكم هذا النص. وإذا ثبت هذا ، ثبت أنه هو الفاعل للكفر. ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
فإن قيل : المراد أنه (فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) فعله. فلم قلتم : إنه تعالى يريد أن يفعل فعل العبد ، فإن ذلك أول المسألة؟ قلنا : قوله تعالى : (فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) يتناول كل ما يريد وجوده ، وما ذكرتموه يفيد. خلاف الظاهر.
الحجة الخامسة : قوله تعالى : (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ ، إِذا أَرَدْناهُ. أَنْ نَقُولَ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ) (٢) وقد أراد الله الإيمان ، فوجب أن يتكون ذلك الإيمان بقوله : (كُنْ فَيَكُونُ) وذلك عبارة عن تكوين الله إياه. فدل هذا النص : على أن إيمان العبد ، وجميع طاعاته ، حصل بتكوين الله وإيجاده.
الحجة السادسة : قوله تعالى : (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا) (٣) وذلك لأن قوله : (أَغْفَلْنا) على وزن قوله : أحيينا وأمتنا. فكما أن هذا يفيد خلق الحياة ، فكذا قوله : (أَغْفَلْنا) وجب أن يفيد خلق الغفلة.
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : المراد بقوله : (أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا) إنا وجدنا قلبه غافلا. ولا يكون المراد منه : خلق الغفلة. والدليل عليه : ما روي عن عمرو بن معدي كرب الزبيدي ، أنه قال لبني سليم : «قاتلناكم فما أجبناكم ، وسألناكم فما أبخلناكم ، وهجوناكم فما أفحمناكم» أي : ما وجدناكم جبناء ، ولا بخلاء ، ولا مفحمين.
ثم نقول : حمل هذا اللفظ ، على هذا المعنى : أولى. والدليل عليه : أنه لو كان المراد ، هو أنه تعالى جعل قلبه غافلا ، لوجب أن يقال : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا. فاتبع هواه. لأن هذا على هذا التقدير يكون من أفعال المطاوعة. وهي إنما تعطف بالفاء ، لا بالواو. ومنه قولهم : كسرته
__________________
(١) سورة الحج ، آية : ١٤.
(٢) سورة النحل ، آية : ٤٠.
(٣) سورة الكهف ، آية : ٢٨.
![المطالب العالية من العلم الإلهي [ ج ٩ ] المطالب العالية من العلم الإلهي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3642_almatalib-alalia-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
