كلامه غير حقيقته ، مع أنه لم يدل على مراده ولم يبينه ، لزم كونه جاهلا ساعيا في إيقاع التلبيس والتدليس أو نقول : يلزم منه تكليف ما لا يطاق. إلا أنا نقول : من اعتقد أنه لا جهل ولا تلبيس [ولا تدليس (١)] إلا وهو واقع بإيقاع الله ، وبإرادته. فمع هذا المذهب كيف يمكنه تقرير هذه المقدمة؟ وأما قوله : «يلزم منه تكليف ما لا يطاق» فهذا أيضا وارد على مذهب الجبرية. لأنه تعالى يخلق الكفر في الكافر ، ثم يأمره بالإيمان. فكذا هاهنا. فثبت : أنه لا سبيل إلى إثبات هذه المقدمة على مذهب الجبرية. ومتى تقيد (٢) إثباتها ، فقد تعذر الاستدلال بالقرآن والأخبار.
الوجه الثالث في تقرير هذا المطلوب : إن مذهب الجبرية : أنه تعالى هو الذي يخلق الكفر في الكافر ويريده ، وكل من أراد شيئا ، فإنه أيضا يريد كل ما أفضى إليه. ومعلوم : أن التلبيس والتدليس وإطلاق اللفظ لإرادة غير معناه مما يفضي إلى حصول الجهل والضلال. وذلك يقتضي على مذهب [الجبرية (٣)] أنه تعالى أراد بهذه الألفاظ غير ظواهرها ، ومع هذا الاحتمال كيف يمكن التمسك بالقرآن؟
واعلم : أن للمعتقد في الجواب أن يقول : هذه الإلزامات أيضا واردة عليكم [وذلك (٤)] وإن نفينا الكذب في حق الله تعالى. إلا أن الوجوه العشرة التي ذكرناها قائمة. ومع تلك الوجوه العشرة لا يبقى شيء من الدلائل اللفظية : يقينية. فهذا جملة الكلام في هذا الموضع.
واعلم : أن جوابنا عن مجموع هذه السؤالات أن نقول : رأينا المعتزلة ملئوا كتبهم من الاستدلال بالآيات والأخبار ، على أن العبد موجد لأفعال نفسه. فنقول : جواز التمسك بالدلائل السمعية. إما أن يكون موقوفا على العلم بكون العبد موجدا لأفعال نفسه ، أو لا يكون موقوفا عليه. فإن كان
__________________
(١) من (ط ، ل).
(٢) يفيد (م).
(٣) من (م ، ل).
(٤) من (ط ، ل).
![المطالب العالية من العلم الإلهي [ ج ٩ ] المطالب العالية من العلم الإلهي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3642_almatalib-alalia-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
