أحدهما صون الأذهان السليمة عن التدنس بالعقائد الردية التي توقعها حكايات بعض الروافض ورواياتهم.
وثانيها ابتناء بعض الأحكام الفقهية في باب البغاة عليها. إذ ليس في ذلك نصوص يرجع إليها ، ولهذا قال أبو حنيفة (١) (رحمهالله تعالى) لو لا علي لم نكن نعرف السيرة في الخوارج وكان النبي (صلىاللهعليهوسلم) خص عليا (رضي الله عنه) بتعليم تلك الأحكام لما علم من اختصاصه بالحاجة إليها أو علمها غيره أيضا ، لكنهم لم يحتاجوا إلى البيان والتبليغ لما رأوا من معاملة علي (رضي الله تعالى عنه) على وفقها من غير تغيير ، فنقول أما توقف علي (رضي الله عنه) في بيعة أبي بكر (رضي الله تعالى عنه) فيحمل على أنه لما أصابه من الكآبة والحزن بفقد رسول الله (صلىاللهعليهوسلم) لم يتفرغ للنظر والاجتهاد فلما نظر وظهر له الحق ، دخل فيما دخل فيه الجماعة. وأما توقفه عن نصرة عثمان (رضي الله تعالى عنه) ، ودفع الغوغاء عنه فلأنه لم يأذن في ذلك وكان يتجافى عن الحرب وإراقة الدماء ، حتى قال : من وضع السلاح من غلماني فهو حر. ومع ذلك فقد دفع عنه الحسنان (٢) (رضي الله عنهما) ولم ينفع ، وكان ما كان ، ولم يكن رضا من علي (رضي الله عنه) بذلك وإعانة عليه. ولهذا قال (رضي الله عنه) : والله ما قتلت عثمان ولا مالأت عليه وتوقف في قبول البيعة إعظاما لقتل عثمان وإنكارا ، وكذا طلحة والزبير. إلا أن من حضر من وجوه المهاجرين والأنصار أقسموا عليه وناشدوه الله في حفظ بقية الأمة وصيانة دار الهجرة ، إذ قتلة عثمان قصدوا الاستيلاء على المدينة ، والفتك بأهلها وكانوا جهلة لا سابقة لهم في الإسلام ، ولا علم لهم بأمر الدين ، ولا صحبة مع الرسول (صلىاللهعليهوسلم) فقبل البيعة. وتوقفه عن قصاص قتلة عثمان (رضي الله تعالى عنه) إما لشوكتهم وكثرتهم وقوتهم وحرصهم بالخروج على من يطالبهم بدمه. فاقتضى النظر الصائب تأخير الأمر احترازا عن إثارة الفتنة وإما لأنه رأى أنهم بغاة لما لهم من المنعة الظاهرة والتأويل
__________________
(١) هو النعمان بن ثابت ، أبو حنيفة ، أحد الأئمة الأربعة ولد عام ٨٠ ه وتوفي عام ١٥٠ ه وراجع تاريخ بغداد ١٣ : ٣٢٣ ـ ٤٢٣ وابن خلكان ٢ : ١٦٣ ، والنجوم الزاهرة ٢ : ١٢ والبداية والنهاية ١٠ : ١٠٧.
(٢) الحسن ، والحسين أولاد الإمام علي وأمهما فاطمة الزهراء بنت الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم.
![شرح المقاصد [ ج ٥ ] شرح المقاصد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3517_sharh-almaqasid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
