الباغي ليس بفاسق. ولو سلم ، فإنما ظهر ذلك في زمان إمامة علي (رضي الله عنه). وبعضها افتراء محض ، كصرف ذلك القدر من بيت المال إلى أقاربه ، وأخذ الحمى لنفسه ، وضرب الصحابة إلى الحد المذكور وبعضها اجتهاديات مفوضة إلى رأي الإمام حسب ما يراه من المصلحة كالتأديب والتعزير ، ودرء الحدود والقصاص بالشبهات والتأويلات. وبعضها كان بإذن النبي صلىاللهعليهوسلم كرد الحكم بن العاص (١) على ما روي أنه ذكر ذلك لأبي بكر وعمر (رضي الله عنهما) فقالا : إنك شاهد واحد. فلما آل الأمر إليه حكم بعلمه وأما حديث خذلان الصحابة إياه وتركهم دفنه من غير عذر ، فلو صح ، كان قدحا فيهم لا فيه. ونحن لا نظن بالمهاجرين والأنصار (رضي الله عنهم) عموما ، وبعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه) خصوصا أن يرضوا بقتل مظلوم في دارهم وترك دفن ميت في جوارهم ، سيما من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما ، وعاكف طول النهار ذاكرا وصائما ، شرفه رسول الله بابنتيه ، وبشره بالجنة ، وأثنى عليه (٢). فكيف يخذلونه ، وقد كان من زمرتهم ، وطول العمر في نصرتهم ، وعلموا سابقته في الإسلام ، وخاتمته إلى دار السلام. لكنه لم يأذن لهم في المحاربة ، ولم يرض بما حاولوا من المدافعة ، تحاميا عن إراقة الدماء ، ورضا بسابق القضاء. ومع ذلك لم يدع الحسن والحسين (رضي الله عنهما) في الدفع عنه مقدورا وكان أمر الله قدرا مقدورا.
قال : خاتمة ـ
((خاتمة) ثم إن أبا بكر (رضي الله عنه) أمر عمر ، وفوض الأمر إليه ، واجتمعت الأمة عليه ، فقهر العباد ، وعمر البلاد ، وحين استشهد جعل الأمر شورى بين ستة هم خير العباد ، فوقع الاتفاق على عثمان ، فجمع القرآن ، وقمع العدوان ، ثم
__________________
(١) هو الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي صحابي أسلم يوم الفتح وسكن المدينة فكان فيما قيل يفشي سر رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فنفاه إلى الطائف ، وأعيد إلى المدينة في خلافة عثمان ، فمات فيها ، وقد كف بصره ، وهو عم عثمان بن عفان ووالد مروان (رأس الدولة المروانية) توفي عام ٣٢ ه.
(٢) قال الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ لعثمان بن عفان عند ما جهز جيش العسرة «ما ضر عثمان ما فعل بعد ذلك» وقال في حقه ـ صلىاللهعليهوسلم «ألا استحيي من رجل تستحيي منه الملائكة».
![شرح المقاصد [ ج ٥ ] شرح المقاصد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3517_sharh-almaqasid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
