آخر ، وإنما عدم من جهة العباد وسوء اختيارهم حيث أخافوه وتركوا نصرته ففوتوا اللطف على أنفسهم. ورد أولا بأنا لا نسلم أن وجوده بدون التصرف لطف.
فإن قيل : لأن المكلف إذا اعتقد وجوده كان دائما يخاف ظهوره وتصرفه فيمتنع من القبائح.
قلنا : مجرد الحكم بخلقه وإيجاده في وقت ما كاف في هذا المعنى ، فإن ساكن القرية إذا انزجر عن القبيح خوفا من حاكم من قبل السلطان مختف في القرية ، بحيث لا أثر له ، كذلك ينزجر خوفا من حاكم علم أن السلطان يرسله إليها البتة متى شاء. وليس هذا خوفا من المعدوم ، بل من موجود مترقب ، كما أن خوف الأول من ظهور مترقب ، وثانيا بأنه ينبغي أن يظهر لأوليائه الذين يبذلون الأرواح والأموال على محبته ، وليس عندهم منه إلا مجرد الاسم.
فإن قيل : لعله ظهر لهم وأنتم عنه غافلون.
قلنا : عدم ظهوره لهم من العاديات التي لا ارتياب فيها لعاقل. كعدم بحر من المسك وجبل من الياقوت ، ولو سلم فالأولياء (١) إذا عرفوا من أنفسهم أنه لم يظهر لهم توجه الإشكال عليهم.
قال : احتجت الخوارج
(بأن في نصبه إثارة الفتنة ، لأن الأهواء متخالفة ربما لا تتفق على واحد. رد بأن اعتبار جهات الترجيح وحرمة المخالفة بعد بيعة البعض تدفع الفتنة. ولو سلم ففتنة عدم الإمام أشد).
__________________
(١) الولي : فعيل بمعنى الفاعل ، وهو من توالت طاعته من غير أن يتخللها عصيان ، أو بمعنى المفعول ، فهو من يتوالى عليه إحسان الله وإفضاله ، والولي : هو العارف بالله وصفاته بحسب ما يمكن المواظب على الطاعات المجتنب عن المعاصي ، المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات. والولاية : من الولي ، وهو القرب فهي قرابة حكمية حاصلة من العتق ، أو من الموالاة والولاية ، هي قيام العبد بالحق عند الغناء عن نفسه ، والولاية في الشرع : تنفيذ القول على الغير ، شاء هذا الغير أو أبى عن ذلك. والله أعلم.
![شرح المقاصد [ ج ٥ ] شرح المقاصد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3517_sharh-almaqasid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
