أشرف من النور البصري وهو نور الشمس فإنه علة لوجود العناصر ووجود النيران والأجسام المبصرة وهو لا من مادة مركبة ، ولذلك عبدته المجوس.
الرابع : نور شريف هو نور محض قائم بنفسه يدرك الأشياء على حقائقها ويدرك نتائجها وهو العقل والنفس ، وهذه الأمور منقسمة إلى ما يدرك به ويدرك نفسه وهو العقل ، وهو نور حقيقي وإلى ما يدرك به ولا يدرك نفسه كالنيران والبصر والشمس ، والقرآن يسمى نورا وهو الخامس ، والرسول يسمى نورا ولكن يستعار لهما من هذا معنى النورانية ولهذا يسمى العلم نورا.
الخامس : النور المطلق وهو البارئ تعالى ومعناه في الروحانية أكثر من معنى العقل ، فإن معنى العقل هو نورانية العقل وهي كشف الحقائق وبهذا المعنى يقال للبارئ تعالى الحق المبين والعالم بخفيات الأمور. فهذه ستة أنوار بالاستعارة للقرآن والرسول صلىاللهعليهوسلم حقيقتها البارئ تعالى وهو مجاز فيما عدا ذلك.
فإن قيل : فقوله تعالى : (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ) [النور : ٣٥].
قلنا : المراد بهذا النور العقلي ، فههنا أربعة أشياء : المشكاة والزجاجة والمصباح والزيتونة. وأما المشكاة فمثالها النفس ، ومثال الزجاجة القوة الخيالية ، والمصباح كالعقل ، والزيتونة التي هي الشجرة العقل الفعال ، ولما كان المصباح الذي هو النور لا بدّ في إظهار ثمرته وحكمته للأجسام من آلة جسمانية تشاكل الأجسام كالنور يفتقر إلى زيت يناسب النار بالحر ويناسب الفتيل بالرطوبة ، فكثيرا ما قدمنا أن العقل لا يباشر كانت واسطته النفس فهي المشكاة ، ثم كانت النفس لا بدّ لها من حيلة في معرفة المحسوسات كما قررناه فجعلت له الحكمة الإلهية قوى. فمنها القوة الخيالية التي يرسم فيها ما تورده الحواس ، فكان مثالها مثال الزجاجة ، وإنما خص الزجاج لانطباع المرئيات فيه كالمرآة الصقيلة التي يبصر فيها ، ولأن الزجاجة أصفى الجواهر من حيث يشف ما وراءها ، والأنبياء عليهمالسلام يعلمون الغيب بواسطة القوة فيعبرون الصورة ويفهمونها. ولها علم مختص وهو علم تعبير الرؤيا ينفرد بخواص هذه القوة.
وأما الشجرة ، فهي العقل الفعال من حيث انفعلت الأشياء عنه ، فلما أن المصباح الواحد توقد منه المصابيح لم يقل سبحانه نبت ، فإن النبات يدل على نقصان الأصل وإنما قال تعالى : (اسْتَوْقَدَ). فنبه بالوقيد على أن الشجرة لا تنقص ، وعلى أن هذه الشجرة ليست الشجرة المعهودة ، لأن الشجرة لا يوقد منها وخصها بالزيتونة لدوام ورقها وفوائدها وغزارة منفعتها وكثرة ورقها وشعبها ، وأنها وإن كانت زيتونة فيخرج منها نار تستضيء بها ، ووجه المشابهة واستيعابه يطول ، وقد شرحناه في كتاب (مشكاة الأنوار). وأما النار فهي عبارة عن الأنوار الإلهية ، ويحتمل وجها آخر أن تكون الشجرة الرسول صلىاللهعليهوسلم والنار الملك.
فإن قيل : عظم اختلاف الصوفية في هذا الغرض من حيث تحقق الملاءمة والملازمة النورانية،
