وهو المصباح والمشكاة والزجاجة والشجرة والنار ، فقد جعلت مثال المشكاة النفس ، ومثال الزجاجة الخيال ، ومثال المصباح العقل الجزئي ، ومثال الشجرة العقل الكلي ، ومثال النار النور الإلهي وإشراقه. وهذه كلها لا توصف بالكثافة والتجسيم على ما تقدم. وقد وصف الله تعالى ذلك بأن قال : (نُورٌ عَلى نُورٍ) [النور : ٣٥]. فبهذه الموجودات تشاكلها وتناسبها إذا تشاكلت وتناسبت لصفاء النفس وبعدها عن الكدورات فظاهر مذهبهم يشير إلى الحلول وقد أنشدوا في ذلك :
|
رقّ الزجاج وراقت الخمر |
|
وتشابها فتشاكل الأمر |
|
فكأنما خمر ولا قدح |
|
وكأنما قدح ولا خمر |
قلنا : عين الحلول واعتقاده خطأ محض وسفاهة صرفة.
فإن قيل : قول الصوفية مشهور حتى قال أحدهم : أنا الحق ، وقال آخر : سبحاني. وقال: ما في الجنة إلا الله.
قلنا : إذا قررنا إبطال الحلول أتينا على مذهبهم. فنقول : حقيقة الحلول انطباق جواهر على جوهر أو جسم على جسم أو عرض في جوهر وقد قدمنا بالبرهان الحق أن العقول والنفوس قائمة بأنفسها لا تحمل شيئا البتة ولا هي محمولة ، فأغنانا ذلك عن إعادته وهذا في رب العزة أعظم.
فإن قيل : فيرجع الكل إلى الإله وتكون العقول والنفوس لا يفارقها البارئ تعالى إلا بالفصل ، فإنهم اجتمعوا في الجوهرية وحقيقة الحياة والقيام بالنفس.
قلنا : لا نثبت للبارئ تعالى ما أثبتناه للنفس ، فإنها لا قوام لها دونه وقد قام البرهان على حدوثها وذلك يبطل أن تكون هي هو ، فإن في ذلك لزوم أن يكون العالم كله آلهة وهو محال ، ويبطل أن يحل في النفوس أو ينطبع فيها انطباع الخمر في اللبن كما زعمت النصارى في المسيح ، فإن ذلك من صفات الأجسام فلم يبق إلا أن اللازم راجع إلى معنى الانفعال وإيجاده بالفعل أي وقوف الإشارات والحركات عليه فيكون هو المحرك القابض الباسط والنفوس معه كالحديد مع المغناطيس على وجهة التمثيل. ولله المثل الأعلى ونفي الوساطة على الطريق التي قدمناها. ومن حقق من الصوفية وعلم وقوف الأشياء عليه وأن الأمور لا قوام لها دونه. قال أحدهم : ما في الجنة إلا الله تعالى مبالغة في التوحيد ، وقال آخر : سبحاني فإنه رأى الياء مكان الإضافة ، فإن الفرق ضرب من الشرك في قوله سبحان الله ، فإجراء الأوصاف لا يعتد بها إلا الفصل.
فإن قلنا : سبحان الكريم نفي للبخل ، وإذا قلنا : سبحان الله فمعناه نفي الشريك ولا يكون النفي إلا مع توهم الشريك ، فالموحدون منهم بلغ بهم التوحيد إلى أن رأوا التبرؤ منه سوء أدب ولكن الكلام إذا وقع بالضرورة إليه والتجئ إلى النطق به لا معنى للهرب فقد وقعوا في أشد كما زعمت الفلاسفة أن البارئ تعالى لا يقال له موجود ، فإن ذلك يؤدي إلى دخوله مع الموجودات تحت الجنس وهذا نفي معنى وهو سهل.
