التثليث والتربيع والمقابلة واختلاف الطوالع. وهذا الكلام لا يقوم عليه برهان ، فإن الحركة المشرقية هلا كانت مغربية وهلا كانت المغربية مشرقية. فأما عنوان أدلتهم في أنها حية فزعموا أن السماء متحركة.
قالوا : وهذا معلوم بالحس والضرورة وكل جسم متحرك فله محرك ولا بدّ. وهذه مقدمة أخرى إذ لو تحرك الجسم بمجرد كونه جسما لكانت الأجسام كلها متحركة ، والمحرك لها إما أن يكون طبيعة لها كهوي الحجر إلى أسفل. وإما أن يكون المحرك لها خارجا عنها كرمي الحجر إلى فوق فيكون قاسرا له على ذلك. وإما أن تتحرك بإرادتها ويبطل أن تكون حركتها قسرية ، لأن محركها إما جسم فيلزم فيه ما لزم في هذا ، وإما أن نقول يحركها الله تعالى بغير واسطة. قالوا : وذلك محال لأنه لو حركه من حيث إنه خالقه للزم أن يحرك كل جسم فلا بدّ من اختصاص الحركة بمزية ، ولا يمكن أن يقال تحركها بالإرادة لأن إرادته تناسب الأجسام نسبة واحدة ، فلم خصت هذه بالتحرك دون غيرها والحركة الطبيعية فيها محال لأن الطبيعة تلزم ضربا واحدا. ثم الحركة الدورية لا يصح فيها فإن كلّا مضروب عنه فلا يلزم عودها إليه فتتساوى الأماكن ، ونحن نسلم جميع ما ذلك ذكروا حاشا قولهم يبطل أن تتحرك لإرادة الله إذ يلزم ذلك في شكل السماء وتحركها على نقطتين ، ولم اختصت بهذه الصورة.
القسم الثاني : قالوا إذا صح أن السماء متحركة بالإرادة فهي عالمة مطلعة على جزئيات العالم ، قالوا : والمراد باللوح المحفوظ نفوس السماوات وأن انتقاش جزئيات المعلومات وما فيها كانتقاش المعلومات في القوة العاقلة في الإنسان ، قالوا : والملائكة السماويات نفوس السماوات والكروبيون المقربون العقول المجردة التي هي جواهر قائمة لا تتحيز ولا تتصرف في الأجسام ، واستدلوا على أن السماء عالمة بالجزئيات ، بأن قالوا : الحركة الدورية إرادية والإرادة تتبع المراد. والمراد الكلي لا يتوجه إليه الإرادة الكلية والإرادة الكلية لا يصدر منها شيء ، فإن كل ما خرج إلى الفعل موجود وجزئي ونسبة الإرادة الكلية إلى الجزئيات على وتيرة واحدة فلا يصدر عنها شيء جزئي ، بل لا بدّ من إرادة جزئية للحركة المعينة وذلك يلزم تصوره لتلك الحركات الجزئية بقوة جسمانية إذ من ضرورة كل إرادة تصور مرادها ، وإذا ثبت تصورها الجزئيات علمت ما يلزم منها من اختلاف النسب من الأرض مع اختلاف أجزائه في الطلوع والغروب والاستواء ، فإذا الحركات السببية للمسببات سلاسل تنتهي إلى الحركة السماوية الإرادية والإنسان إنما لا يعلم ما يقع في المستقبل بجهله بالأسباب ، وهذا كله باطل في حق السماء فإنه موجود إلى تتابع حوادث لا نهاية لها وهذا محال. نعم يصح هذا في حق البارئ تعالى من حيث إن المعلومات عنده على وتيرة واحدة تابعة لإرادته وعلمه ، وذلك لا يلزمه على شكل يوجب له ذلك أو دوران وما لزم عن شكل ودور افتقر إلى مريد موجد لذات الشكل والدور فمر يده بالعلم أولا ويبطل تساوي الخالق والمخلوق في العلم. فإنه إذا علم الفلك لوازم الحركات إلى ما لا نهاية له وعلم البارئ سبحانه لوازمها إلى ما لا نهاية له ، فلا
