في زمان ما. ثم نقول : من زعم أنها تنتقل إلى محل فعليه الدليل وهذا لا يقوم عليه دليل البتة وإذا بطل أن يكون المحل واجبا لها بقي أن يقال جائز عليها ، وما جاز على الشيء افتقر إلى مخصص والمخصص لا يؤثر في محل إلا أن يكون المحل قابلا للتأثير ، وقد قدمنا أن النفس يستحيل انطباعها في الجسم فصح وثبت أنها يستحيل عليها المحل.
الفصل الثالث في أن النفس لا تعدم وأنها باقية
وقد قدمنا اختلاف الفرق في ماهية النفس وتقدم مذهب كل فريق ، والذي نخص به الآن هذه المسألة أن نقول : تنحصر المذاهب في مذهبين : إما أن يقال إن النفس قديمة على مذهب أفلاطون فإن البارئ تعالى عنده علة وجودها والمعلول عنده لا ينعدم إلا بانعدام علته والبارئ تعالى لا ينعدم فالنفس لا تنعدم هذا مذهبه.
وذهبت طائفة من محققيهم أن النفس محدثة وهو مذهب ابن سينا ، ولكن اتفق الكل على أنها لا تنعدم وبذلك أخبرت الأنبياء عليهمالسلام. وقال تعالى : (خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ) [المائدة : ١١٩] وقال تعالى : (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران : ١٦٩]. وقال سبحانه في نفس الكافر : (لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى) [الأعلى : ١٣ وطه : ٧٤]. وقال تعالى في أهل الجنة : (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى) [الدخان : ٥٦]. فإذا هما طرفان :
أحدهما : عدمها واتفق المؤالف والمخالف على أنها لا تنعدم حاشا طائفة من الدهرية لا التفات إليهم.
الطرف الثاني : وهو ابتداؤها. فذهب الإسلاميون والقائلون بالشرائع إلى أنها محدثة لها ابتداء لكنها جوهر لا يقبل العدم. وذهبت طائفة من الفلاسفة إلى أنها محدثة ولكن مذهبهم يعود إلى مذهب أفلاطون. وذلك أن معنى الحدوث عندهم انتقال ماهية الجوهر كالماء إذا أشعل تحته النار ففني فلم يفن عندهم تحقيقا ، لكن الماء عندهم استحال هواء وكذلك الهواء إذا استحال نارا فالحدوث عندهم عبارة عن تغيير حال الجوهر. وإذا فهمت هذا من مذهبهم فحدوث النفس عندهم عبارة عن انتقال جوهرها من حالة إلى حالة كانتقال الماء إلى الهواء والذي يرجع إليه مذهبهم والله أعلم أن العناصر الحاصلة في مقعر فلك القمر المنفعلة عن الأفلاك تولد النفس منها. وحاصل ذلك راجع إلى أشعة الكواكب ولكن عندهم بين النفوس والأجسام مناسبة وعلاقة لا بدّ منها. وذلك يكون في ابتداء الجسم للكائن من الأغذية بأن تكون تلك الأغذية تنقسم ما بين البروج ، فإذا انفعل الجسم وخرج إلى صفحة العالم من طالع مخصوص انجرت تلك الأشعة التي للكواكب إلى الجسم بمناسبة مختصة من جهة مختصة بالطبع ، وعلى هذا بنوا آراء الطلسمات ، فإن ابن آدم عندهم طلسم فيحتالون بأبخرة وعقاقير وجواهر مختصة من جواهر الأرض تلائم طبيعة الكواكب والحب والمنافرة عندهم على قدر
