أوجدها مبرأة من المادة لم يكن منها عصيان فجعلها في مادة كما قال تعالى : (لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [يونس : ١٤]. وذلك أن الملائكة عرفت أن الموجود في مادة يعصى فقالوا : (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ) [البقرة : ٣٠]. فالنفس تكتسب في بدنها الكمال لكي تلحق بالملائكة أو بالشياطين إما بالأعلى أو بالأخس. ثم هي من بعد ذلك حية لأن كونها موجودة مع البدن لا يدل على عدمها بعدم البدن فإن عنصريهما مختلفان.
والدليل على ذلك أن نفوس الملائكة وذوات الأفلاك لا تتغير إلا أن يريد بارئها والأفلاك تقبله بجواهرها ، ولأن الفناء هو انحلال التركيب والنفس بسيطة لا مركبة والدليل عليه علمها بالأمور العقلية والمغيبة كالنبوة والكهانة ، ولا يصح البتة أن يعقل الجسم باتفاق العلماء والعقلاء والمزاج عبارة عن اعتدال الأخلاط في الجسم والأخلاط جسم فيستحيل أن تكون مدركة عاقلة. وإنما العاقل المدرك جوهر يناسب جوهر الملائكة وكل جنس فلا يلائم إلا جنسه. ولما كان الجسم كثيفا صرف في الخدمة والحركات والأمور الجسمانية ، ولما كانت النفس لطيفة أعدت للإرادات والقدر والعلوم حالة في النفس ، والعلم لا ينقسم فمحله لا ينقسم ولأن الجسم لو كانت حركته منه للزم في الفلك أن تكون حركته منه ، وقد تبرهن أن حركته من نفس محركة ، وكل متحرك فلا يكون محركا نفسه أصلا ويبطل أن يحركه جسم آخر إذ لو حركه جسم لاستبد هو بالفعل فيبقى أن يحركه غير جسم وغير الجسم لا تركيب فيه ، وما يفسد فإنما يفسد لاجتماعه من متنافرات فينحل.
وقد تقدم أن النفس لا مركبة ، فالنفس تنحل وما لا ينحل يبقى فالنفس تبقى. ثم نقول : جميع ما هو جوهر فهو إما قائم بنفسه. وإما على ما يعتقده المتكلمون فإن الجواهر عندهم متماثلة ولا فرق بين جوهر النفس وجوهر الجسم. وإنما تختلف الجواهر عندهم بالأعراض ويستحيل أن يكون الجوهر عندهم يحل في الجوهر أو يقوم به ، فلو كان الجسم جوهرا والنفس جوهرا لم يصح أن تكون النفس صفة للجسم ولا أولى منه لتماثلهما في الجوهرية. وإذا بطل أن تكون جوهرا أو عرضا لم يبق إلا أن تكون جوهرا قائما بنفسه ليست بعرض ولا بجوهر.
فإن قيل : لا يعقل في العقل إلا جوهر أو عرض. وأما جوهر ثالث فلا يدرى.
قلنا : هذا إلا أن سخف بل ليس في العقل حصر يدل على ذلك ، وإنما أوجب تلك القسمة المشاهدة من حيث لم تشاهد إلا عرضا وجوهرا وهذا قياس التمثيل وهو قياس باطل ، وسنعد كتابا لتقرير البراهين إن ساعدت الأقدار بحول الله تعالى. وإذا ثبت وجود معنى ثالث بالبرهان.
قلنا : هذا المعنى لا يخلو أن يجب له المحل أو يجوز عليه أو يستحيل. وبطل أن يجب له ، فإن الواجب العقلي لا يفتقر إلى مخصص وذلك يلزم أن يكون النفس أبدا غير خالية من محل ونحن نشاهد تركها للبدن فلا بد من مدة تمر عليها لا تكون فيها في محل. هذا لو قلنا إنها تنتقل من هذا الجسم إلى جسم ، فنقول ما بين الانتقالين لا تكون في جسم والحكم الواجب لا ينتقض
