إلّا من كلّمكم ، ولا تطعمون إلّا من أطعمكم ، ولا تكرمون إلّا من أكرمكم؟ وليس لأحد على أحد فضل ، إنما المؤمنون الّذين آمنوا بالله ورسوله ، الّذين يحسنون إلى من أساء إليهم ، ويصلون من قطعهم ، ويعفون عمّن حرمهم ، ويأتمنون من خانهم ، ويكلّمون من هجرهم ، ويكرمون من أهانهم ، وإنّي بكم لخبير".
الموعظة الحادية عشرة
يقول الله تعالى : " يا أيّها النّاس! إنّما الدّنيا دار لمن لا دار له ، ومال لمن لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له ، وبها يفرح من لا فهم له ، وعليها يحرص من لا توكّل له ، ويطلب شهواتها من لا معرفة له ؛ فمن أراد نعمة زائلة ، وحياة منقطعة ، فقد ظلم نفسه وعصا ربّه ، ونسي الآخرة وغرّته دنياه ، وأراد ظاهر الإثم وباطن هذا. (إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ). [سورة الأنعام : ١٢٠] يا بن آدم! راعوني وتاجروني ، وعاملوني وأسفلوني في ربحكم. عندي ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، ولا تنفد خزائني ولا تنقص ، وأنا الوهّاب الكريم".
الموعظة الثّانية عشرة
يقول الله تعالى : " يا بن آدم (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ، وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) [سورة البقرة : ٤٠] كما لا تهتدي السّبيل إلّا بدليل ، كذلك لا طريق إلى الجنّة إلّا بعمل. وكما لا يجمع المال إلّا بنصب ، كذلك لا تدخلون الجنّة إلّا بالصّبر على عبادتي. فتقرّبوا إلى الله بالنّوافل ، واطلبوا رضائي برضا المساكين عنكم ، وارغبوا إلى رحمتي بمجالس العلماء ، فإن رحمتي لا تفارقهم طرفة عين. قال الله تعالى : يا موسى ، اسمع ما أقول ، فالحقّ أنّه من تكبّر على مسكين حشرته يوم القيامة على صورة الذّرّ ، ومن تواضع له رفعته في الدّنيا والآخرة ، ومن تعرّض لهتك سرّ مسكين حشرته يوم القيامة غير مستور سرّه ، ومن أهان فقيرا فقد بارزني بالمحاربة ، ومن يؤمن بي صافحته الملائكة في الدّنيا والآخرة".
الموعظة الثّالثة عشرة
يقول الله تعالى : " يا بن آدم! كم من سراج قد أطفأته ريح الهوى ، وكم من عابد قد أفسده العجب ، وكم من غنيّ أفسده الغناء ، وكم من فقير أفسده الفقر ، وكم من صحيح أفسدته العافية ، وكم من عالم أفسده العلم ، وكم من جاهل أفسده الجهل ؛ فلو لا مشايخ ركّع ، وشباب خشّع ، وأطفال رضّع ، وبهائم رتّع ، لجعلت السّماء من فوقكم حديدا ، والأرض صفصفا ، والتّراب رمادا ، ولما أنزلت عليكم من السّماء قطرة ، ولما أنبتت في الأرض من حبّة ، ولصببت عليكم العذاب صبّا".
