بأن يتراوح السر عن الهم الملم.
ثم لما أحسست بعجزي وسقط بالكلية اختياري ، التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له ، فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه ، وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأولاد والأصحاب ، وأظهرت عزم الخروج إلى مكة وأنا أدبر في نفسي سفر الشام حذرا أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على عزمي في المقام بالشام ؛ فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد على عزم ألا أعاودها أبدا. واستهدفت لأئمة أهل العراق كافة ، إذ لم يكن فيهم من يجوز أن يكون الإعراض عما كنت فيه سببا دينيا ؛ إذ ظنوا أن ذلك هو المنصب الأعلى في الدين وكان ذلك مبلغهم من العلم.
ثم ارتبك الناس في الاستنباطات ، وظن من بعد عن العراق أن ذلك كان لاستشعار من جهة الولاة ؛ وأما من قرب من الولاة فكان يشاهد إلحاحهم في التعلق بي والانكباب علي وإعراضي عنهم وعن الالتفات إلى قولهم ، فيقولون : هذا أمر سماوي ، وليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام وزمرة العلم. ففارقت بغداد ، وفرقت ما كان معي من المال ، ولم أدخر إلا قدر الكفاف وقوت الأطفال ، ترخصا بأن مال العراق مرصد للمصالح لكونه وقفا على المسلمين ؛ فلم أر في العالم ما لا يأخذه العالم لعياله أصلح منه.
ثم دخلت الشام وأقمت به قريبا من سنتين لا شغل لي إلا العزلة والخلوة والرياضة والمجاهدة ، اشتغالا بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب لذكر الله تعالى ، كما كنت حصلته من علم الصوفية. وكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق أصعد منارة المسجد طول النهار وأغلق بابها على نفسي.
ثم رحلت منها إلى بيت المقدس ، أدخل كل يوم الصخرة وأغلق بابها على نفسي. ثم تحركت فيّ داعية فريضة الحج والاستمداد من بركات مكة والمدينة ، وزيارة رسول الله تعالى عليهالسلام بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات الله عليه ؛ فسرت إلى الحجاز.
ثم جذبتني الهمم ودعوات الأطفال إلى الوطن ، فعاودته بعد أن كنت أبعد الخلق عن الرجوع إليه ؛ فآثرت العزلة به أيضا حرصا على الخلوة وتصفية القلب للذكر.
وكانت حوادث الزمان ومهمات العيال وضرورات المعاش تغير فيّ وجه المراد ، وتشوش صفوة الخلوة. وكان لا يصفو لي الحال في أوقات متفرقة ؛ لكني مع ذلك لا أقطع طمعي منها ، فتدفعني عنها العوائق وأعود إليها. فدمت على ذلك مقدار عشر سنين ، وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها. والقدر الذي أذكره لينتفع به : أني علمت يقينا أن الصوفية هم السابقون لطريق الله تعالى خاصة ، وأن سيرتهم أحسن السير ، وطريقهم أصوب الطرق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق ؛ بل لو جمع عقل العقلاء ، وحكمة الحكماء ، وعلم
