حصلته ، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعلم بل بالذوق والسلوك. وكان قد حصل معي من العلوم التي مارستها والمسالك التي سلكتها في التفتيش عن صنفي العلوم الشرعية والعقلية إيمان يقيني بالله تعالى وبالنبوة وباليوم الآخر. فهذه الأصول الثلاثة من الإيمان كانت رسخت في نفسي لا بدليل معين محرر بل بأسباب وقرائن وتجاريب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها.
وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع لي في سعادة الآخرة إلا بالتقوى وكف النفس عن الهوى ، وأن رأس ذلك كله قطع علاقة القلب عن الدنيا بالتجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى ؛ وأن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال ، والهرب من الشواغل والعلائق.
ثم لاحظت أحوالي ، فإذا أنا منغمس في العلائق وقد أحدقت بي من الجوانب ، ولاحظت أعمالي وأحسنها التدريس والتعليم ، فإذا أنا فيها فيها مقبل على علوم غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة. ثم تفكرت في نيتي في التدريس ، فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى ، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت ، فتيقنت أني على شفا جرف هار ، وأني قد أشفيت على النار إن لم أشتغل بتلافي الأحوال.
فلم أزل أتفكر فيه مدة وأنا بعد على مقام الاختيار ، أصمم العزم على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يوما ، وأحل العزم يوما ، وأقدم فيه رجلا وأؤخر عنه أخرى ، لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة إلا ويحمل عليها جند الهوى حملة فتفترها عشية. فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام ، ومنادي الإيمان ينادي : الرحيل! الرحيل! فلم يبق من العمر إلا قليل ، وبين يديك السفر الطويل ، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل ، فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع؟ فعند ذلك تنبعث الداعية ، وينجزم العزم على الهرب والفرار.
ثم يعود الشيطان ويقول هذه حال عارضة إياك أن تطاوعها ، فإنها سريعة الزوال ، فإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض ، والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص ، والأمن المسلم الصافي عن منازعة الخصوم ، ربما التفتت إليه نفسك ولا يتيسر لك المعاودة.
فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريبا من ستة أشهر ، أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ؛ وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار ، إذ أقفل الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس ، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوما واحدا تطييبا لقلوب المختلفين إليّ ، فكان لا ينطق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة ، حتى أورثت هذه العقلة في لساني حزنا في القلب بطلت معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب ، فكان لا ينساغ لي ثريد ، ولا تنهضم لي لقمة ؛ وتعدى إلى ضعف القوى ، حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج ، وقالوا : هذا أمر نزل بالقلب ومنه سرى إلى المزاج ، فلا سبيل إليه بالعلاج ، إلا
