الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ، ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه ، لم يجدوا إليه سبيلا ؛ فإن جميع حركاتهم وسكناتهم ، في ظاهرهم وباطنهم ، مقتبسة من نور مشكاة النبوة ؛ وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به.
وبالجملة فما ذا يقول القائلون في طريق طهارتها. هي أول شروطها. تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى ، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة استغراق القلب بالكلية بذكر الله ، وآخرها الفناء بالكلية في الله ، وهذا آخرها بالإضافة إلى ما لا يكاد يدخل تحت الاختيار والكسب من أوائلها ، وهي على الحقيق أول الطريقة ، وما قبل ذلك كالدهليز للسالك إليه.
ومن أول الطريقة تبتدئ المشاهدات والمكاشفات ، حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ، ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون منهم فوائد. ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق ، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه. وعلى الجملة ينتهي الأمر إلى قرب يكاد يتخيل منه طائفة الحلول وطائفة الاتحاد وطائفة الوصول وكل ذلك خطأ ، وقد بينا وجه الخطأ في كتاب المقصد الأسنى. بل الذي لا بسته تلك الحالة لا ينبغي أن يزيد على أن يقول :
|
وكان ما كان ممّا لست أذكره |
|
فظنّ خيرا ولا تسأل عن الخبر!! |
وبالجملة فمن لم يرزق منه شيئا بالذوق ، فليس يدرك من حقيقة النبوة إلا الاسم ؛ وكرامات الأولياء على التحقيق هي بدايات الأنبياء ؛ وكان ذلك أول حال رسول الله صلىاللهعليهوسلم حيث تبتل حين أقبل إلى جبل حراء حين كان يخلو فيه بربه ويتعبد ، حتى قالت العرب" إن محمدا عشق ربه". وهذه حالة يتحققها بالذوق من سلك سبيلها ، فمن يرزق الذوق فيتقنها بالتجربة والتسامع إن أكثر معهم الصحبة ، حتى يفهم ذلك بقرائن الأحوال يقينا. ومن جالسهم استفاد منهم هذا الإيمان ، فهم القوم لا يشقى جليسهم. ومن لم يرزق صحبتهم فليعلم إمكان ذلك يقينا بشواهد البرهان على ما ذكرناه في كتاب" عجائب القلب" من كتب" إحياء علوم الدين".
والتحقيق بالبرهان علم ، وملابسة عين تلك الحالة ذوق ، والقبول من التسامح والتجربة بحسن الظن إيمان ؛ فهذه ثلاث درجات (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) [المجادلة : ١١] ووراء هؤلاء قوم جهال ، هم المنكرون لأصل ذلك ، المتعجبون من هذا الكلام ، يستمعون ويسخرون ويقولون : العجب! إنهم كيف يهذون! وفيهم قال الله تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ) [محمد : ١٦] فأصمهم وأعمى أبصارهم.
ومما بان لي بالضرورة من ممارسة طريقتهم حقيقة النبوة وخاصيتها ولا بد من التنبيه على أصلها لشدة مسيس الحاجة إليها.
