كالمتضمخ بالنجاسة يتعب في طلب الماء حتى إذا وجده لم يستعمله وبقي متضمخا بالخبائث.
ومنهم من ادعى شيئا من علمهم ، فكان حاصل ما ذكره شيئا من ركيك فلسفة فيثاغورس ، وهو رجل من قدماء الأوائل ، ومذهبه أرك مذاهب الفلاسفة ، وقد رد عليه أرسطاطاليس ، بل استرك كلامه واسترذله ؛ وهو المحكي في كتاب إخوان الصفا ، وهو على التحقيق حشو الفلسفة.
فالعجب ممن يتعب طول العمر في طلب العلم ثم يقنع بمثل ذلك العلم الركيك المستغث ، ويظن بأنه ظفر بأقصى مقاصد العلوم! فهؤلاء أيضا جربناهم وسبرنا ظاهرهم وباطنهم ، فرجع حاصلهم إلى استدراج العوام وضعفاء العقول ببيان الحاجة إلى المعلم ، ومجادلتهم في إنكارهم الحاجة إلى التعليم بكلام قوي مفحم ، حتى إذا ساعدهم على الحاجة إلى المعلم مساعد وقال : هات علمه وأفدنا من تعليمه! وقف وقال : الآن إذا سلمت لي هذا فاطلبه ، فإنما غرضي هذا القدر فقط. إذ علم أنه لو زاد على ذلك لافتضح ولعجز عن حل أدنى الإشكالات ؛ بل عجز عن فهمه فضلا عن جوابه.
فهذه حقيقة حالهم فاخبرهم تقلهم فلما خبرناهم نفضنا اليد عنهم أيضا.
٤ ـ طرق الصوفية
ثم إني فرغت من هذه العلوم أقبلت بهمتي على طريق الصوفية وعلمت أن طريقتهم إنما تتم بعلم وعمل ؛ وكان حاصل عملهم قطع عقبات النفس ، والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة ، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى وتحليته بذكر الله.
وكان العلم أيسر علي من العمل ، فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل قوت القلوب لأبي طالب المكي رحمهالله ، وكتب الحارث المحاسبي ، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي قدس الله أرواحهم ، وغير ذلك من كلام مشايخهم ، حتى اطلعت على كنه مقاصدهم العلمية ، وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقها بالتعلم والسماع ، فظهر لي أن أخص خواصهم ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدل الصفات. وكم من الفرق بين أن يعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما ، وبين أن يكون صحيحا وشبعانا ، وبين أن يعرف حد السكر وأنه عبارة عن حالة تحصل من استيلاء أبخرة تتصاعد من المعدة على معادن الفكر ، وبين أن يكون سكرانا. بل السكران لا يعرف حد السكر ، وعلمه وهو سكران وما معه من علمه شيء ، والصاحي يعرف حد السكر وأركانه وما معه من السكر شيء. والطبيب في حالة المرض يعرف حد الصحة وأسبابها وأدويتها وهو فاقد الصحة. فكذلك فرق بين أن تعرف حقيقة الزهد وشروطها وأسبابها ، وبين أن يكون حالك الزهد وعزوف النفس عن الدنيا.
فعلمت يقينا أنهم أرباب الأحوال لا أصحاب الأقوال ، وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم فقد
