وتكذيبك. ثم هب أنه سلم لك النص ، فإن كان متحيرا في أصل النبوة فقال : هب أن إمامك يدلي بمعجزة عيسى فيقول : الدليل على صدقي أني أحيي أباك ، فأحياه فناطقني بأنه محق ، فبما ذا أعلم صدقه؟ ولم يعرف كافة الخلق صدق عيسى بهذه المعجزة ، بل عليه من الأسئلة المشكلة ما لا يدفع إلا بدقيق النظر العقلي ؛ والنظر العقلي لا يوثق به عندك ، ولا يعرف دلالة المعجزة على الصدق ما لم يعرف السحر والتمييز بينه وبين المعجزة ، وما لم يعرف أن الله لا يضل عباده. وسؤال الإضلال وعسر تحرير الجواب عنه مشهور. فبما ذا تدفع جميع ذلك؟ ولم يكن إمامك أولى بالمتابعة من مخالفيه! فيرجع إلى الأدلة النظرية التي تنكرها ، فخصمه يدلي بمثل تلك الأدلة وأوضح منها.
وهذا السؤال قد انقلب عليهم انقلابا عظيما ، لو اجتمع أولهم وآخرهم على أن يجيبوا عنه جوابا لم يقدروا عليه. وإنما نشأ الفساد من جماعة من الضعفة ناظروهم فلم يشتغلوا بالقلب بل بالجواب ؛ وذلك مما يطول فيه الكلام ، ولا يسبق سريعا إلى الأفهام ، فلا يصلح للإفحام.
فإن قال قائل : " فهذا هو القلب فهل عنه جواب؟ " فأقول : نعم ، جوابه أن المتحير لو قال أنا متحير ولم يعين المسألة التي هو متحير فيها ، يقال له : أنت كمريض يقول أنا مريض ، ولا يذكر عين مرضه ، ويطلب علاجه ، فيقال له : ليس في الوجود علاج للمرض المطلق ، بل لمرض معين من صداع أو إسهال أو غيرهما. فكذلك المتحير ينبغي أن يعين ما هو متحير فيه ، فإن عين المسألة عرفته الحق فيها بالوزن بالموازين الخمسة التي لا يفهمها أحد إلا ويعترف بأنه الميزان الحق الذي يوثق بكل ما يوزن به ، فيفهم الميزان ، ويفهم أيضا صحة الوزن ، كما يفهم متعلم الحساب نفس الحساب ، وكون المحاسب المعلم عالما بالحساب وصادقا فيه. وقد أوضحت ذلك في كتاب" القسطاس المستقيم" في مقدار عشرين ورقة ؛ فليتأمل!.
وليس المقصود الآن بيان فساد مذهبهم ، فقد ذكرت ذلك في كتاب المستظهري أولا ، وفي كتاب حجة الحق ثانيا ؛ وهو جواب كلام لهم عرض علي ببغداد ، وفي كتاب" مفصل الخلاف" الذي هو اثنا عشر فصلا ثالثا ؛ وهو جواب كلام عرض علي بهمذان ؛ وفي كتاب" الدرج" المرقوم بالجداول رابعا ، وهو من ركيك كلامهم الذي عرض علي بطوس ؛ وفي كتاب" القسطاس المستقيم" خامسا ، وهو كتاب مستقل بنفسه مقصوده بيان ميزان العلوم وإظهار الاستغناء عن الإمام المعصوم لمن أحاط به.
بل المقصود أن هؤلاء ليس معهم شيء من الشفاء المنجي من ظلمات الآراء ، بل هم مع عجزهم عن إقامة البرهان على تعيين الإمام ، طال ما جاريناهم فصدقناهم في الحاجة إلى التعليم وإلى المعلم المعصوم ، وأنه الذي عينوه ؛ ثم سألناهم عن العلم الذي تعلموه من هذا المعصوم ، وعرضنا عليهم إشكالات فلم يفهموها ، فضلا عن القيام بحلها ؛ فلما عجزوا أحالوا على الإمام الغائب وقالوا : إنه لا بد من السفر إليه. والعجب أنهم ضيعوا عمرهم في طلب المعلم وفي التبجح بالظفر به ، ولم يتعلموا منه شيئا أصلا ،
