المجتهدون كيف يصنع"؟. فسيقول : " له مع نفسه اجتهاد في معرفته الأفضل الأعلم بدلائل القبلة ، فيتبع ذلك الاجتهاد ، فكذلك في المذاهب".
فرد الخلق إلى الاجتهاد. ضرورة. الأنبياء والأئمة مع العلم بأنهم قد يخطئون ، بل قال رسول اللهصلىاللهعليهوسلم : " أنا أحكم بالظّاهر والله يتولّى السّرائر" أي : أنا أحكم بغالب الظن الحاصل من قول الشهود وربما أخطئ فيه. ولا سبيل إلى الأمن من الخطأ للأنبياء في مثل هذه المجتهدات فكيف نطمع في ذلك؟
ولهم هاهنا سؤالان : أحدهما قولهم هذا : وإن صح في المجتهدات فلا يصح في قواعد العقائد ، إذ المخطئ فيها غير معذور. فكيف السبيل إليه؟ فأقول : " قواعد العقائد يشتمل عليها الكتاب والسنة وما وراء ذلك من التفصيل ، والمتنازع فيه يعرف الحق فيه بالوزن بالقسطاس المستقيم ، وهي الموازين التي ذكرها الله تعالى في كتابه ، وهي خمسة ذكرتها في كتاب القسطاس المستقيم". فإن قال : " خصومك يخالفونك في ذلك الميزان" فأقول : " لا يتصور أن يفهم ذلك الميزان ثم يخالف فيه ، إذ لا يخالف فيه أهل التعليم ، لأني استخرجته من القرآن وتعلمته منه. ولا يخالف فيه أهل المنطق ، لأنه موافق لما شرطوه في المنطق غير مخالف له. ولا يخالف فيه المتكلم ، لأنه موافق لما يذكره في أدلة النظريات ، وبه يعرف الحق في الكلاميات». فإن قال : " فإن كان في يدك مثل هذا الميزان ، فلم لا ترفع الخلاف بين الخلق؟ " فأقول" لو أصغوا إليّ لرفعت الخلاف بينهم ؛ وذكرت طريق رفع الخلاف في كتاب" القسطاس المستقيم" فتأمله لتعلم إنه حق وأنه يرفع الخلاف قطعا لو أصغوا ، ولا يصغون إليه بأجمعهم! بل قد أصغى إليّ طائفة فرفعت الخلاف بينهم وإمامك يريد رفع الخلاف بينهم مع عدم إصغائهم فلم لم يرفع إلى الآن؟ ولم لم يرفع علي رضي الله عنه وهو رأس الأئمة؟ أو يدعي أنه يقدر على حمل كافتهم على الإصغاء قهرا ، فلم لم يحملهم إلى الآن؟ ولأي يوم أجله؟ وهل حصل بين الخلق بسبب دعوته إلا زيادة خلاف وزيادة مخالف؟ نعم! كان يخشى من الخلاف نوع من الضر لا ينتهي إلى سفك الدماء ، وتخريب البلاد ، وإيتام الأولاد ، وقطع الطرق ، والإغارة على الأموال. وقد حدث في العالم من بركات رفعكم الخلاف ما لم يكن بمثله عهد" فإن قال : " ادعيت أنك ترفع الخلاف بين الخلق ولكن المتحير بين أهل المذاهب المتعارضة والاختلافات المتقابلة لم يلزمه الإصغاء إليك دون خصمك وأكثر الخصوم يخالفونك ولا فرق بينك وبينهم".
وهذا هو سؤالهم الثاني فأقول : هذا أولا ينقلب عليك ، فإنك إذا دعوت هذا المتحير إلى نفسك فيقول المتحير : بم صرت أولى من مخالفيك وأكثر أهل العلم يخالفونك؟ فليت شعري بما ذا تجيب! تجيب بأن تقول إمامي منصوص عليه؟ فمن يصدقك في دعوى النص وهو لم يسمع النص من الرسول؟ وإنما لم يسمع دعواك مع تطابق أهل العلم على اختراعك
