|
إن لم تمت غبطة تمت هرما |
|
الموت كأس والمرء ذائقها |
وبها مات مصدوع الكبد : منعه شركه عن نيل مقصده ، إذ الشهوات قاطعة ، واللذات مانعة. ومن رام الماء صبر على الكدر ، ومن قطع الليل خلص عن حر الطريق ، ومن جعل نفسه ذات الشهوات كان مسقطه الكنيف والخلوات ، ومن قطع العلو بهمة المجاهدات نال أعظم المراتب بالصبر على المصائب والنوائب. وما صاحب المأكل الكثير يحظى بسوء التدبير وهو مستور لا يفلح أبدا.
المقالة الثالثة والعشرون
في جهاد النفس والتدبير
قال النبي صلىاللهعليهوسلم : " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" قالوا : يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ فقال : «هي مجاهدة النّفس» وقال صلىاللهعليهوسلم : «أعدى عدوّك نفسك الّتي بين جنبيك». وقالصلىاللهعليهوسلم : «بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق». واعلم أن النفس أخلاقها ذميمة غير مستقيمة ، فإن فيها مع صغر حجمها كما قلناه. ما في السماوات والأرضين ، وهي النار الموصدة فيها ذئاب الغيبة ، وكلاب الشهوة ، وسباع الغضب ، ونمور المخالفة ، وثعالب الحيلة ، وكمين الشياطين بعسكر الهوى ، ومناجيق الامتحان ، ووساوس القبيح ، كل هذا ممكن تحت قلة قلعة النفوس محيط بربضها وحصنها. واعلم أن القلب مدينة وساكنها الملك ، وهي النفس اللطيفة ، المدركة ، العالمة ، الطاهرة ، الربانية ، الخارجة عن صفة النفخة المشار بها إلى الروح ، وهي محجوبة بالأبخرة الظاهرة المتولدة من دم القلب الذي هو الشكل الصنوبري واللحم المجوف. وما هذا هو القلب المخاطب وإنما العقل ، فهو المخاطب من قوله تعالى : (وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ) [البقرة : ١٩٧] وقوله تعالى : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ) [ق : ٣٧] وهو معنى قوله : (أُذُنٌ واعِيَةٌ) [الحاقة : ١٢] والنفس المشار إليها هي أسيرة الشهوات ، مقيدة بقيد الغفلات ، مشوهة مستورة بالخيالات ، عاشقة للدنيا قد أطمعت ببخسها ، فأصبحت محبطة ، سكرى ، قلقة ، حيرانة ، مشغولة بخدمة الجسد الترابي تحمله للكنيف ، مشغولة بتربيته وتغذيته ، ألفته فعشقته ، فإذا فرق بينهما تأسف ، حتى إذا مر عليها بمثل ما خدمته بطول المدة نسبته وأنكرته كأنها ما عرفته ، فإذا ردت إليه نفرت حتى تسمع إشارة القدس (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ) [الفجر : ٢٧ ، ٢٨] هذا خطاب موجد لموجود غير مفقود إذ لا يجوز خطاب المعدوم ، ومن شواهد ذلك قوله صلىاللهعليهوسلم : " تعرض علي أعمال أمّتي في كلّ اثنين وخميس ، فما كان من حسنة أسرّ بها ، وما كان من سيّئة أستغفر لها ، اشتدّ غضب الله على الزّناة". وقوله صلىاللهعليهوسلم : " أكثروا من الصّلاة علي فإنّ صلاتكم علي معروضة" فأيها المكذب المذبذب الغافل المتأول ، أتراك تعجز الصانع القادر؟ تزعم يا مسكين
