خَيْرُ الْماكِرِينَ) [آل عمران : ٥٤] وقال تعالى : (فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً) [الطارق : ١٧] فمن أولاه الله نعمة فليحذر أن تكون نقمة.
فصل
وأما غرور العصاة من المؤمنين فقولهم : " غفور رحيم وإنما نرجو عفوه". فاتكلوا على ذلك وأهملوا الأعمال ـ وذلك من قبل الرجاء محمود في الدين ـ وإن رحمة الله واسعة ، ونعمته شاملة ، وكرمه عميم ، إنا موحدون مؤمنون ، نرجو بوسيلة الإيمان ، والكرم والإحسان. وربما كان منشأ حالهم التمسك بصلاح الآباء والأمهات ، وذلك نهاية الغرور ، فإن آباءهم مع صلاحهم وورعهم كانوا خائفين ، ونظم قياسهم الذي سول لهم الشيطان : أن من أحب إنسانا أحب أولاده ، فإن الله قد أحب آباءكم فهو يحبكم ، فلا تحتاجون إلى الطاعة ، فاتكلوا على ذلك واغتروا بالله. ولم يعلموا أن نوحا عليهالسلام أراد أن يحمل ابنه في السفينة ، فمنع ، وأغرقه الله بأشد ما أغرق به قوم نوح ، وأن النبي صلىاللهعليهوسلم استأذن في زيارة قبر أمه وفي الاستغفار لها ، فأذن له في الزيارة ولم يؤذن له في الاستغفار ونسوا قوله تعالى : (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) [فاطر : ١٨] وقوله تعالى : (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) [النجم : ٣٩] فإن من ظن أنه ينجو بتقوى أبيه ، كمن ظن أنه يشبع بأكل أبيه أو يروى بشرب أبيه ، والتقوى فرض عين لا يجزى فيها والد عن والده ، وعند جزاء التقوى يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه إلا على سبيل الشفاعة. ونسوا قوله صلىاللهعليهوسلم : «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأمانيّ» ، وقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [البقرة : ٢١٨] وقال تعالى : (جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة : ١٧] وهل يصح الرجاء إلا إذا تقدمه عمل؟ فإن لم يتقدمه عمل فهو غرور لا محالة ، وإنما ورد الرجاء لتبريد حرارة الخوف واليأس ، ولتلك الفائدة نطق به القرآن والترغب في الزيادة لا محالة.
فصل
ويقرب منهم غرور طوائف لهم طاعات ومعاص ، إلا أن معاصيهم أكثر ، وهم يتوقعون المغفرة ويظنون أن ترجح كفة حسناتهم ، وكفة سيئاتهم أكثر. وهذا غاية الجهل ، فترى الواحد يتصدق بدراهم عديدة من الحلال والحرام ، ويكون ما يتناوله من أموال الناس والشبهات أضعافه ، فهو كمن وضع في كفة الميزان عشرة دراهم ووضع في الكفة الأخرى ألفا وأراد أن تميل الكفة التي فيها العشرة ، وذلك غاية الجهل.
فصل
ومنهم من يظن أن طاعته أكثر من معاصيه ، لأنه لا يحاسب نفسه ولا يتفقد معاصيها ، وإذا
