عمل طاعة حفظها واعتد بها ، كالذي يستغفر الله بلسانه ويسبح بالليل والنهار مثلا مائة مرة وألف مرة ، ثم يغتاب المسلمين ويتكلم بما لا يرضاه الله طول النهار ، ويلتفت إلى ما ورد من فضل التسبيح ويغفل عما ورد في عقوبة الكذابين والنمامين والمنافقين ؛ وذلك محض الغرور ، فحفظ لسانه عن المعاصي آكد من تسبيحه ، فسبحان من صدنا عن التنبيه.
فصل
بيان أصناف المغرورين وأقسام كل صنف
الصنف الأول من المغرورين : العلماء.
وهم فرق :
(فرقة منهم) لما أحكمت العلوم الشرعية والعقلية ، تعمقوا فيها ، واشتغلوا بها ، وأهملوا تفقد الجوارح وحفظها عن المعاصي وإلزامها الطاعات ، واغتروا بعلمهم ، وظنوا أنهم عند الله بمكان ، وأنهم قد بلغوا من العلم مبلغا لا يعذب الله مثلهم ، بل يقبل شفاعتهم في الخلق ولا يطالبهم بذنوبهم وخطاياهم. وهم مغرورون ، فإنهم لو نظروا بعين البصيرة لعلموا أن العلم علمان : علم معاملة ، وعلم مكاشفة وهو العلم بالله تعالى وبصفاته ؛ فلا بد من علوم المعاملة لتتم الحكمة المقصودة ، وهي المعاملة بمعرفة الحلال والحرام ، ومعرفة أخلاق النفس المذمومة والمحمودة. ومثلهم مثل طبيب يطبب غيره وهو عليل قادر على طب نفسه فلم يفعل ، وهل ينفع الدواء بالوصف؟ هيهات لا ينفع الدواء إلا من شربه بعد الحمية ؛ وغفلوا عن قوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) [الشمس : ٩ ، ١٠] ولم يقل : «من يعلم تزكيتها وكتب علمها وعلمها الناس».
وغفلوا عن قوله صلىاللهعليهوسلم : «من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلّا بعدا" ، وقوله صلىاللهعليهوسلم : «إنّ أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه» ، وغير ذلك كثير. وهؤلاء مغرورون نعوذ بالله من حالهم ، وإنما غلب عليهم حب الدنيا وحب أنفسهم وطلب الراحة العاجلة ، وظنوا أن علمهم ينجيهم في الآخرة من غير عمل.
(وفرقة أخرى) أحكموا العلم والعمل الظاهر ، وتركوا المعاصي الظاهرة ، وغفلوا عن قلوبهم ، فلم يمحوا منها الصفات المذمومة عند الله كالكبر والرياء والحسد وطلب الرئاسة والعلو وإرادة السوء بالأقران والشركاء وطلب الشهرة في البلاد والعباد ، وذلك غرور سببه غفلتهم عن قوله صلىاللهعليهوسلم : «الرّياء الشّرك الأصغر» وقوله صلىاللهعليهوسلم : «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب» وقوله صلىاللهعليهوسلم : «حب المال والشّرف ينبتان النّفاق في القلب كما ينبت الماء البقل» ، إلى غير ذلك من الأخبار ، وغفلوا عن قوله تعالى : (إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء : ٨٩]
