وعلى الجملة فحركاتك وسكناتك بأعضائك نعمة من نعم الله تعالى عليك ، فلا تحرك شيئا منها في معصية الله تعالى أصلا ، واستعملها في طاعة الله تعالى ، واعلم أنك إن قصرت فعليك يرجع وباله ، وإن شمرت فإليك تعود ثمرته ، والله غني عنك وعن عملك ، وإنما كل نفس بما كسبت رهينة. وإياك أن تقول : إن الله كريم رحيم يغفر الذنوب للعصاة ؛ فإن هذه كلمة حق أريد بها باطل ، وصاحبها ملقب بالحماقة بتلقيب رسول الله صلىاللهعليهوسلم حيث قال : " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأمانيّ" واعلم أن قولك هذا يضاهي قول من يريد أن يصير فقيها في علوم الدين من غير أن يدرس علما واشتغل بالبطالة وقال : إن الله كريم رحيم قادر على أن يفيض على قلبي من العلوم ما أفاضه على قلوب أنبيائه وأوليائه من غير جهد وتكرار وتعلم. وهو كقول من يريد مالا فترك الحراثة والتجارة والكسب وتعطل وقال : إن الله كريم وله خزائن السماوات والأرض ، وهو قادر على أن يطلعني على كنز من كنوزه أستغني به عن الكسب فقد فعل ذلك لبعض عباده. فأنت إذا سمعت كلام هذين الرجلين استحمقتهما وسخرت منهما ، وإن كان ما وصفاه من كرم الله تعالى وقدرته صدقا وحقّا. فكذلك يضحك عليك أرباب البصائر في الدين إذا طلبت المغفرة بغير سعي لها ، والله تعالى يقول : (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) [النجم : ٣٩] ويقول : (إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الطور : ١٦ ، التحريم : ٧] ويقول : (إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) [الانفطار: ١٣ ، ١٤].
فإذا لم تترك السعي في طلب العلم والمال اعتمادا على كرمه ، فكذلك لا تترك التزود للآخرة ولا تفتر ، فإن رب الدنيا والآخرة واحد ، وهو فيهما كريم رحيم ، وليس يزيد له كرم بطاعتك ، وإنما كرمه في أن ييسر لك طريق الوصول إلى الملك المقيم والنعيم الدائم المخلد بالصبر على ترك الشهوات أياما قلائل ، وهذا نهاية الكرم ؛ فلا تحدث نفسك بتهويسات البطالين ، واقتد بأولي العزم والنّهى من الأنبياء والصالحين ، ولا تطمع في أن تحصد ما لم تزرع ، وليت من صام وصلى وجاهد واتقى غفر له.
فهذه جمل مما ينبغي أن تحفظ عنه جوارحك الظاهرة وأعمال هذه الجوارح ؛ فعليك بتطهير القلب فهو تقوى الباطن ، والقلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح بها سائر الجسد ، وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ؛ فاشتغل بإصلاحه لتصلح به جوارحك ؛ وصلاحه يكون بملازمة المراقبة.
القول في معاصي القلب
اعلم أن الصفات المذمومة في القلب كثيرة ، وطريق تطهير القلب من رذائلها طويلة ، وسبيل العلاج فيها غامض ، وقد اندرس بالكلية علمه وعمله لغفلة الخلق عن أنفسهم ؛ واستقصينا ذلك كله في كتاب إحياء علوم الدين في ربع المنجيات ؛ ولكننا نحذرك الآن ثلاثا من خبائث القلب ، وهي الغالبة على متفقهة العصر ، لتأخذ منها حذرك ، فإنها مهلكات في أنفسها ، وهي أمهات الجملة من الخبائث سواها ، وهي : الحسد والرياء والعجب ؛ فاجتهد في تطهير قلبك منها ، فإن قدرت عليها فتعلم كيفية الحذر مع بقيتها من ربع المهلكات ، فإن عجزت عن هذا فأنت عن غيره أعجز. ولا تظنن أنك تسلم بنية صالحة في تعلم العلم وفي قلبك شيء من الحسد والرياء والعجب ، وقد قال صلىاللهعليهوسلم : «ثلاث
