فهذه مجامع آفات اللسان ، ولا يعينك عليك إلا العزلة أو ملازمة الصمت إلا بقدر الضرورة ، فقد كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يضع حجرا في فيه ليمنعه ذلك من الكلام بغير ضرورة ، ويشير إلى لسانه ويقول : هذا الذي أوردني الموارد كلها. فاحترز منه بجهدك ، فإنه أقوى أسباب هلاكك في الدنيا والآخرة.
وأما البطن ؛ فاحفظ من تناول الحرام والشبهة ، واحرص على طلب الحلال ، فإذا وجدته فاحرص على أن تقتصر منه على ما دون الشبع ، فإن الشبع يقسي القلب ويفسد الذهن ويبطل الحفظ ويثقل الأعضاء عن العبادة والعلم ، ويقوي الشهوات وينصر جنود الشيطان. والشبع من الحلال مبدأ كل شر فكيف من الحرام ، وطلب الحلال فريضة على كل مسلم. والعبادة والعلم مع أكل الحرام كالبناء على السّرجين. فإذا قنعت في السنة بقميص خشن ، وفي اليوم والليلة برغيفين من الخشكار ، وتركت التلذذ بأطيب الأدم ، لم يعوزك من الحلال ما يكفيك. والحلال كثير ، وليس عليك أن تتيقن بواطن الأمور ، بل عليك أن تحترز مما تعلم أنه حرام ، أو تظن أنه حرام ظنّا حصل من علامة ناجزة مقرونة بالمال ؛ أما المعلوم فظاهر ، وأما المظنون بعلامة فهو مال السلطان وعماله ، ومال من لا كسب له إلا من النياحة أو بيع الخمر أو الربا أو المزامير وغير ذلك من آلات اللهو المحرمة ؛ فإن من علمت أن أكثر ماله حرام قطعا فما تأخذه من يده ، وإن أمكن أن يكون حلالا نادرا فهو حرام ، لأنه الغالب على الظن. ومن الحرام المحض ما يؤكل من الأوقات من غير شرط الواقف ، فمن لم يشتغل بالتفقه فما يأخذه من المدارس حرام ، ومن ارتكب معصية ترد بها شهادته فما يأخذه باسم الصوفية من وقف أو غيره فهو حرام.
وقد ذكرنا مداخل الشبهات والحلال والحرام في كتاب مفرد من كتاب إحياء علوم الدين ، فعليك بطلبه ، فإن معرفة الحلال وطلبه فريضة على كل مسلم كالصلوات الخمس.
وأما الفرج ؛ فاحفظه عن كل ما حرم الله تعالى ، وكن كما قال الله تعالى : (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ، إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) [المؤمنون : ٥ ، ٦ والمعارج : ٢٩ ، ٣٠] ولا تصل إلى حفظ الفرج إلا بحفظ العين عن النظر ، وحفظ القلب عن التفكر ، وحفظ البطن عن الشبهة وعن الشبع ، فإن هذه محركات للشهوة ومغارسها.
وأما اليدان ؛ فاحفظهما عن أن تضرب بهما مسلما ، أو تتناول بهما مالا حراما ، أو تؤذي بهما أحدا من الخلق ، أو تخون بهما في أمانة أو وديعة ، أو تكتب بهما ما لا يجوز النطق به ، فإن القلم أحد اللسانين ، فاحفظ القلم عما يجب حفظ اللسان عنه.
وأما الرجلان ؛ فاحفظهما عن أن تمشي بهما إلى باب سلطان ظالم ، فإن المشي إلى السلاطين الظلمة من غير ضرورة وإرهاق معصية كبيرة ، فإنه تواضع لهم وإكرام لهم على ظلمهم ، وقد أمر الله تعالى بالإعراض عنهم في قوله تعالى (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) [هود : ١١٣] وإن كان ذلك لسبب طلب مالهم فهو سعي إلى حرام ، وقد قال النبي صلىاللهعليهوسلم : " من تواضع لغنيّ ذهب ثلثا دينه" وهذا في غني صالح ، فما ظنك بالغني الظالم!
