سفيها إلا ويؤذيك ، ولا تماري حليما إلا ويقليك ويحقد عليك ، فقد قال صلىاللهعليهوسلم : " من ترك المراء وهو مبطل بنى الله له بيتا في ربض الجنّة ، ومن ترك المراء ، وهو محقّ بنى الله له بيتا في أعلى الجنّة".
ولا ينبغي أن يخدعك الشيطان ويقول لك أظهر الحق ولا تداهن فيه ، فإن الشيطان أبدا يستجرّ الحمقى إلى الشر في معرض الخير ، فلا تكن ضحكة للشيطان فيسخر منك ؛ فإظهارك الحق حسن مع من يقبله منك ، وذلك بطريق النصيحة في الخفية لا بطريق المماراة ؛ وللنصيحة صفة وهيئة ويحتاج فيها إلى تلطف ، وإلا صارت فضيحة ، وكان فسادها أكثر من صلاحها. ومن خالط متفقهة العصر غلب على طبعه المراء والجدال ، وعسر عليه الصمت ، إذ ألقى إليه علماء السوء أن ذلك هو الفضل ، والقدرة على المحاجة والمناقشة هو الذي يتمدح به. ففرّ منهم فرارك من الأسد ، واعلم أن المراء سبب المقت عند الله وعند الخلق.
الخامس : تزكية النفس ؛ قال الله تعالى : (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى) [النجم : ٣٢] وقيل لبعض الحكماء : ما الصدق القبيح؟ فقال : ثناء المرء على نفسه. فإياك أن تتعود ذلك ، واعلم أن ذلك ينقص من قدرك عند الناس ويوجب مقتك عند الله تعالى. فإذا أردت أن تعرف أن ثناءك على نفسك لا يزيد في قدرك عند غيرك ، فانظر إلى أقرانك إذا أثنوا على أنفسهم بالفضل والجاه والمال كيف يستنكره قلبك عليهم ويستثقله طبعك ، وكيف تذمهم عليه إذا فارقتهم. فاعلم أنهم أيضا في حال تزكيتك لنفسك يذمونك في قلوبهم ناجزا ، وسيظهرونه بألسنتهم إذا فارقتهم.
السادس : اللعن ؛ فإياك أن تلعن شيئا مما خلق الله تعالى من حيوان أو طعام أو إنسان بعينه ، ولا تقطع بشهادتك على أحد من أهل القبلة بشكر أو كفر أو نفاق ، فإن المطلع على السرائر هو الله تعالى ، فلا تدخل بين العباد وبين الله تعالى ، واعلم أنك يوم القيامة لا يقال لك لم لم تلعن فلانا ، ولم سكت عنه ؛ بل لو لم تلعن إبليس طول عمرك ولم تشغل لسانك بذكره ، لم تسأل عنه ، ولم تطالب به يوم القيامة ، وإذا لعنت أحدا من خلق الله تعالى طولبت به. ولا تذمن شيئا مما خلق الله تعالى ، فقد كان النبي صلىاللهعليهوسلم لا يذم الطعام الرديء قط ، بل كان إذا اشتهى شيئا أكله وإلا تركه.
السابع : الدعاء على الخلق ؛ فاحفظ لسانك عن الدعاء على أحد من خلق الله تعالى ، وإن ظلمك فكل أمره إلى الله تعالى ، ففي الحديث : " إنّ المظلوم ليدعو على ظالمه حتّى يكافئه ثمّ يبقى للظّالم فضل عنده يطالبه به يوم القيامة». وطول بعض الناس لسانه على الحجاج فقال بعض السلف : إن الله لينتقم للحجاج ممن تعرض له بلسانه كما ينتقم من الحجاج لمن ظلمه.
الثامن : المزاح والسخرية والاستهزاء بالناس ؛ فاحفظ لسانك منه في الجد والهزل ، فإنه يريق ماء الوجه ، ويسقط المهابة ، ويستجر الوحشة ، ويؤذي القلوب. وهو مبدأ اللجاج والغضب والتصارم ، ويغرس الحقد في القلوب ؛ فلا تمازح أحدا ، فإن مازحك فلا تجبه ؛ فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ، وكن من الذين إذا مروا باللغو مروا كراما.
