العام حتى ينتهي إلى المحسوسات حتى أن من رأى حبلا أسود مبرقش اللون يرتاع منه لشبهه بالحية وسببه معرفته أن كل حية فطويل متبرقش اللون فيسبق وهمه إلى عكسه العام ، ويحكم بأن كل طويل متبرقش اللون فهو حية فيظن منه عكسا عاما ، وهو أن كل طويل متبرقش اللون أسود فهو حية ، وإنما اللازم منه عكس خاص وهو أن بعض الطويل المتبرقش حية لا أن كله كذلك ، وفي العكس والنقيض دقائق كثيرة لا تفهمها إلا من كتاب محك النظر ومعيار العلم.
فقال : إني أجد بكل مثال تذكره طمأنينة أخرى لمعرفة موازين الشيطان فلا تبخل علي بمثال آخر من موازين الشّيطان.
قلت : إن فساد ذلك الميزان تارة يكون من سوء التركيب بأن لا يكون تعلق الكفتين بالعمود تعلّقا مستقيما وتارة يكون من نفس الكفّة وفساد طينتها التي منها اتخذت فإنها إما أن تتخذ من حديد أو نحاس أو جلد حيوان ، فلو اتّخذت من الثلج أو القطن لم يمكن الوزن به. والسيف تارة يفسد لخلل شكله بأن يكون على هيئة العصا غير معترض ولا حادّ ، وتارة يكون من فساد طينته ومادته التي منها اتخذ بأن يكون متخذا من خشب أو طين ، وكذلك ميزان الشيطان قد يكون فساده لفساد تركيبه كما ذكرته في مثال كبر الشمس ووحدة الحق فإن صورتهما مختلة معكوسة كالذي يجعل الكفتين فوق العمود فيريد أن يزن به ، وتارة يكون لفساد المادة كقول إبليس : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين في جواب قوله تعالى : (ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ) [ص : ٧٥]. وقد أدرج إبليس في هذا ميزانين إذ علل منع السجود بكونه خيرا منه ثم أثبت الخيرية بأنه خلق من نار ، وإذا صرح بجميع أجزاء حجته وجد ميزانه مستقيم التركيب لكن فاسد المادة ، وكمال صورته أن يقول ما خلق من نار خير والخير لا يسجد فأنا إذا لا أسجد فكلا أصلي هذا القياس ممنوع لأنه غير معلوم ، والعلوم الخفيّة توزن بالعلوم الجلية وما ذكره غير جلي ولا مسلم إذ نقول له : نسلم أنك خير منه وهذا منع الأصل الأول ، والآخر أنا لا نسلم أن الخير لا يلزمه السجود لأن اللزوم والاستحقاق بالأمر لا بالخيرية ، لكن ترك إبليس الدلالة على الأصل الثاني وهو أن اللزوم والاستحقاق بالأمر لا بالخيرية واشتغل بإقامة الدليل على أنه خير : لأني خلقت من نار. وهذه دعوى الخيرية بالنسب وكمال صورة دليله وميزانه أن يقول المنسوب إلى الخير خير ، وأنا منسوب إلى الخير فإذا أنا خير ، وكلتا هاتين الكفتين أيضا فاسدة فإنا لا نسلم أن المنسوب إلى الخير خير بل الخيرية بصفات الذات لا بالنسب ، فيجوز أن يكون الحديد خيرا من الزجاج ثم يتّخذ من الزجاج بحسن الصنعة ما هو خير من المتخذ من الحديد ، وكذلك نقول إبراهيم صلوات الله عليه خير من ولد نوح وإن كان إبراهيم مخلوقا من آزر وهو كافر وولد نوح من نبي. وأما أصله الثاني وهو أنه مخلوق من خير لأن النار خير من الطين فهذا أيضا غير مسلم بل الطين خير لأنه من التراب والماء ، وربما يقال إن بامتزاجهما قوام الحيوان
