القول في موازين الشيطان وكيفية وزن أهل التعليم بها
فقلت : اسمع الآن يا مسكين شرح ميزان رفقائك فإنك بعد غلوائك ، واعلم أن كل ميزان ذكرته من موازين القرآن فللشيطان في جانبه ميزان ملصق به يمثله بالميزان الحق ليوزن به ، فيغلط لكن الشيطان إنما يدخل من موقع الثلم ، فمن سد الثلم وأحكمها أمن الشيطان. ومواقع ثلمه عشرة قد جمعتها وشرحتها في كتاب النظر وكتاب معيار العلم إلى غير ذلك من الدقائق في شروط الميزان لم أذكرها الآن لقصور فهمك عن إدراكها ، فإن أردت معاقد حملها ألفيتها في كتاب المحك ، وإن أردت شرح تفاصيلها وجدتها في كتاب المعيار ، لكن أقدم الآن أنموذجا واحدا وذلك هو الذي ألقاه الشيطان في خاطر إبراهيم الخليل عليهالسلام إذ قال الله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ) [الحج : ٥٢]. وإنما ذلك في مبادرته إلى الشمس وقوله : هذا ربي هذا أكبر ، لأجل أنه أكبر أراد أن يخدعه به ، وكيفية الوزن به أن الإله هو الأكبر ، فهذا أصل معلوم الاتفاق والشمس هي أكبر من الكواكب وهذا أصل آخر معلوم بالحس ، فيلزم منه أن الشمس إله وهي النتيجة وهذا ميزان ألصقه الشيطان بالميزان الأصغر من موازين التعادل لأن الأكبر وصف وجد للإله ووجد للشمس ، فيوهم أن أحدهما يوصف بالآخر وهو عكس الميزان الأصغر ، وحدّ ذلك الميزان أن يوجد شيئان لشيء واحد لا أن يوجد شيء واحد لشيئين فإنه إن وجد شيئان لشيء واحد وصف بعض أحدهما بالآخر كما سبق ذكره. أما إذا وجد شيء واحد لشيئين فلا يوصف أحد الشيئين بالآخر ، فانظر كيف يلبس الشيطان بالعكس. وعيار هذا الميزان الباطل من الصنجة الظاهرة البطلان اللون فإنه يوجد للسواد والبياض جميعا ، ثم لا يلزم أن يوصف البياض بالسواد أو السواد بالبياض ، بل لو قال قائل : البياض لون والسواد لون فيلزم منه أن السواد بياض ، كان خطأ باطلا ، فكذلك قوله الإله أكبر والشمس أكبر فالشمس إله ، فهذا خطأ إذ يجوز أن يوصف المتضادان بوصف واحد ، فاتصاف شيئين بوصف واحد لا يوجد بين الشيئين اتّصالا. أما اتّصاف شيء واحد بشيئين فيوجب بين الوصفين اتّصالا وكل من فهمه أدرك التفرقة بين اتّصاف شيء واحد بشيئين وبين اتّصاف شيئين بشيء واحد.
فقال : قد اتّضح لي بطلان هذا ، لكن متى وزن أهل التعليم كلامهم به؟
قلت : وزنوا به كلاما كثيرا أشح على أوقاتي أن أضيعها بحكايته ، لكن أريك أنموذجا واحدا ، فلقد سمعت كثيرا من قولهم إن الحق مع الوحدة والباطل مع الكثرة ، ومذهب الرأي يفضي إلى الكثرة ، ومذهب التعليم يفضي إلى الوحدة فيلزم أن يكون الحقّ في مذهب التعليم.
قال : نعم سمعت هذا كثيرا واعتقدت هذا برهانا وأعرفه برهانا قاطعا لا أشكّ فيه.
فقلت : هذا ميزان الشيطان فانظر كيف انتكس رفقاؤك واستعملوا قياس الشيطان وميزانه في إبطال ميزان الخليل صلوات الله عليه وسلامه وسائر الموازين.
