|
وأصدّ عنه تجلّدا |
|
وأروم طيف خياله |
والمراقبة على درجتين مراقبة الصديقين ومراقبة أصحاب اليمين. أما الدرجة الأولى : فهي مراقبة المقربين من الصديقين وهي مراقبة التعظيم والإجلال ، وهو أن يكون القلب مستغرقا بملاحظة ذلك الجلال ومنكسرا تحت الهيبة فلا يبقى له متسع للالتفاتات إلى الغير أصلا ، وهذه المراقبة لا يطول النظر في تفصيل ثوابها فإنها مقصورة على القلب. أما الجوارح : فإنها تتعطل عن الالتفات إلى المناجاة فضلا عن المنظورات ، فإذا تحركت بالطاعات كانت كالمستعملة فلا يحتاج إلى تدبير وتسبب في حفظها عن الانحراف عن سنن السداد.
وأما الدرجة الثانية : فهي مراقبة الورعين من أصحاب اليمين ، وهم قوم غلب اطلاع الله تعالى على ظاهرهم وباطنهم ولكن لم تدهشهم ملاحظة الجلال ، بل بقيت قلوبهم على حد الاعتدال متسعة للتلفت إلى الأحوال والأعمال إلّا أنها مع ممارسة الأعمال لا تخلو عن المراقبة. نعم غلب عليهم الحياء من الله تعالى فلا يقدمون ولا يحجمون إلّا بعد التثبت فيه ويمتنعون من كل ما يفتضحون به في القيامة فإنهم يرون الله تعالى في الدنيا مطلعا عليهم فلا يحتاجون إلى انتظار القيامة ، وتعرف اختلاف الدرجتين بالمشاهدات والله أعلم.
الباب العاشر
في بيان معنى القرب
قال الله تعالى لنبيه صلىاللهعليهوسلم : (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) [العلق : ١٩].
وقد ورد أقرب ما يكون العبد من ربه في سجوده ، فالساجد إذا أذيق طعم السجود يقرب ، لأنه يسجد ويطوي بسجوده بساط الكون ما كان وما يكون ويسجد على طرف رداء العظمة فيقرب.
قال بعضهم : إني لا أجد الحضور ، فأقول : يا الله أو يا رب فأجد ذلك أثقل علي من الجبال. قيل : ولم ذلك؟ قال : لأن النداء يكون من وراء حجاب ، وهل رأيت جليسا ينادي جليسه؟ وإنما هي إشارات وملاحظات ومناغاة وملاطفات ، وهذا الذي وصفه مقام عزيز يتحقق فيه القرب ولكنه مشعر بمحو ومؤذن بسكر يكون ذلك لمن غابت نفسه في نور روحه لغلبة سكره وقوة محوه ، فإذا صحا وأفاق تتخلص الروح من النفس والنفس من الروح ويعود كل من العبد إلى محله ومقامه. فيقول : يا الله ويا رب بلسان النفس المطمئنة العائدة إلى مقام حاجتها ومحل عبوديتها والروح يشتغل بفتوحه بكمال الحال عن الأقوال ، وهذا أتم وأقرب من الأول ، لأنه في حق القرب باستقلال الروح بالفتوح وأقام رسم العبودية بعود حكم النفس إلى محل الافتقار وحظ القرب لا يزال يتوفر للروح بإقامة رسم العبودية من النفس.
وقال الجنيد : إن الله تعالى يقرب من قلوب عباده على قدر قربهم منه ، فانظر ما ذا تقرب من قلبك. وقال أبو يعقوب السوسي : ما دام العبد يكون بالقرب لم يكن قريبا حتى يغيب عن
