الباب التاسع
في بيان معنى الحياء والمراقبة ويضاف إليهما الإحسان لأنه
غايتهما وكذلك الرعاية والحرمة والأدب لأنهن من ثمراتها
اعلم : أن الحياء أول مقام من مقامات المقربين كما أن التوبة أول مقام من مقامات المتقين. أما العلم الحامل على الحياء : فهو علم العبد باطّلاع تعالى عليه. وهذا واجب ، لأنه من الإيمان بالله وبالله تعالى. وكذا معرفته بعيوب نفسه وقصورها عن القيام بحق ربه سبحانه وتعالى وهذا أيضا واجب ، لأنه من الإيمان بالله تعالى فينفتح من هاتين المعرفتين حال يسمى الحياء ، وهو إطراق عين القلب خجلا من الله تعالى كتقصيره في واجب حقه تعالى ، والقدر الواجب من هذه الحالة ما يحث على ترك المحظورات وفعل الواجبات. وأما المراقبة والإحسان : فهما لفظان متداخلان على معنى واحد. فأما ثمرة بداية المراقبة فهو رعاية الخواطر وكشف ما التبس منها والأدب مع الله تعالى بحرمة مراقبته والحياء على الوصف العام الخاص، وأما الوصف العام ما أمر به رسول الله صلىاللهعليهوسلم في قوله : «استحيوا من الله حقّ الحياء قالوا : إنا نستحيي يا رسول الله قال ليس ذلك ولكن من استحيا من الله حقّ الحياء فليحفظ الرّأس وما وعى والبطن وما حوى وليذكر الموت والبلى. ومن أراد الآخرة ترك زينة الدّنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حقّ الحياء». وهذا الحياء من المقامات ، وأما الحياء الخاص من الأحوال وهو ما نقل عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال : إني لأغتسل في البيت المظلم فأنطوي حياء من الله عزوجل. وعن أحمد بن صالح قال : سمعت محمد بن عبدون يقول : سمعت أبا العباس المؤذن يقول : قال لي سري : احفظ عني ما أقول لك إن الحياء والأنس يطوفان بالقلوب ، فإذا وجدا قلبا فيه الزهد والورع حطّا وإلّا رحلا ، والحياء إطراق الروح إجلالا لتعظيم الجلال ، والأنس التذاذ الروح بكمال الجمال ، فإذا اجتمعا فهو الغاية في المنى والنهاية العظمى.
قال بعض الحكماء : من تكلم في الحياء ولا يستحيي من الله عزوجل فيما يتكلم به فهو مستدرج. وقال ذو النون : الحياء وجود الهيبة في القلب مع حشمة ما سبق منك إلى ربك. قال ابن عطاء : العلم الأكبر : الهيبة والحياء فإذا ذهب عنه الهيبة والحياء فلا خير فيه. قال سليمان : إن العباد عملوا على أربع درجات على الخوف والرجاء والتعظيم والحياء ، وأشرفهم منزلة من عمل على الحياء لما أيقن أن الله تعالى يراه على كل حال استحيا من حسناته أكثر مما استحيا العاصون من سيئاتهم. وقال بعضهم : الغالب على قلوب المستحيين الإجلال والتعظيم دائما عند نظر الله تعالى إليهم. وأنشد الشيخ أبو النجيب السهروردي :
|
أشتاقه فإذا بدا |
|
أطرقت من إجلاله |
|
لا خيفة بل هيبة |
|
وصيانة لجماله |
|
الموت في إدباره |
|
والعيش في إقباله |
