قلت : وهذا هو الوسيلة لنيل القرب لا نفس القرب ، لأن هذا هو طهور القلب عما سوى الله تعالى وإذا تطهر القلب عما سوى الله تعالى كان حاضرا مع العبد ، لأنه ليس بين العبد وبين الله إلا حجاب نفسه وعوارضها. فإذا فني عنها وعن عوارضها وعلم قيام العالم كله بقدرة الله تعالى عرف قرب الله تعالى بها كشفا وإرادته تخصيصا وقدرته إيجادا وإبقاء والصفات التي لا تفارق الموصوف بل صفاته قائمة بالموصوف ، فإذا نطق العارف فلا ينطق بنفسه ، وإذا سمع فلا يسمع بنفسه ، وهكذا ورد في الحديث فالعارفون تنشأ أحوالهم عن قرب الله تعالى. وأما الأبرار : فتنشأ أحوالهم عن ملاحظة علمهم بوجود الرب مطلقا مع العلم باقتداره على المنع والعطاء والإسعاد والإشقاء ، والعارفون يرون ربهم في الدنيا بعين الإيقان والبصائر ، وفي الأخرى بالإبصار أي بالعين قريب منهم في الدارين وليس قربه منهم في الأخرى مخالفا لقربه في الدنيا إلا بمزيد اللطف والعطف ، وإلا فقد ارتفع هنا وهناك قرب المسافة ولم يكن بينه وبين مخلوق إضافة لا في الدنيا ولا في الآخرة البتة ، وهذه المعرفة مثمرة الأنس بشرط الصفاء والأنس يثمر السكينة فهي صولة تعدل طغيان القلب وتثبته وتوقفه على حد الاعتدال في ژداب الحضرة ، لأن لذة القرب في الأنس تطير ألباب العارفين وتوجب لهم الطغيان ، لأن الإنسان يطغى عند الغنى.
وأما الطمأنينة : فهي وجود من بعد اعتدال بفرح واستبشار لمعرفة القلب بالمزيد وهي مستصحبة مع الأنس لأنها مقصودة في ذاتها ، والسكينة وسيلة تحثها على الأدب والاعتدال ، ومن ثمرات المحبة : الانبساط والإدلال وذلك أن الأنس إذا دام أنسه واستحكم ولم يشوشه قلق القلب لقصور نظره على طيب حاله أثمر ذلك انبساطا في الأقوال والأفعال والمناجاة ، فلا يليق ذلك بحال التعظيم والإجلال الموجبان للمهابة ، فإنه يليق بالمستأنس المنبسط ما لا يليق بالهائب ، وذلك أن من أفعال الله الجائزة له أن يرضى على قوم بفعلهم ويغضب به على آخرين لاختلاف أحوالهم وللحكمة السابقة فيهم ، ولذلك يغار على كلامه أن يسمعه إلا لأهل خاصته. قال الله تعالى : (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً) [الإسراء : ٤٦]. وعبر عن السر في ذلك. فقال : (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ) [الأنفال : ٢٣]. وهذا حجاب الغيرة فحقيقتها حفظ الوقت مع الحق أن يشوشه مشوش شحا عليه ، ومن ثمرات المحبة الشوق وهو أفضل من الأنس ، لأن الأنس قصر نظره على ما انكشف له جمال المحبوب ولم يمتد نظره إلى ما غاب عنه والمشتاق كالعطشان الذي لا ترويه البحار لمعرفته بأن الذي انكشف له من الأمور الإلهية بالنسبة إلى ما غاب عنه كالذرة بالنسبة إلى سعة الوجود ولله المثل الأعلى. وهذه المعرفة توجب الانزعاج والقلق والتعطش الدائم ، لأن حقيقة القلق سرعة الحركة لنيل المطلوب مع إسقاط الصبر ، وحقيقة التعطش شدة الطلب لما تأكدت الحاجة إليه ، ومن اشتد قلقه وتعطشه وجد وحقيقة الوجد هو الشوق الغالب على قلب الطالب ، وهذا الوجد بعد حصوله له أحوال :
الأول : الدهش. قال الله تعالى : (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ) [يوسف : ٣١]. وحقيقة الدهش غيبة القلب عن إحساسه لما فاجأه من الأمر العظيم.
