شعورا في الوجدان ، بل المقصود بها ـ والله العالم ـ الانعكاس الخارجي للحالة ، باعتبار أن كل ما في الداخل ، يظهر في الخارج ، وأن المشروع العمليّ يبدأ فكرة ، ثم يتحول إلى واقع ، من خلال الرغبة في وصوله إلى درجة الفعل ، وهكذا يكون التعبير بذلك عن المتكبرين الذين يتحركون في حكمهم وعلاقاتهم من موقع الحالة الاستكبارية التي تحتقر الناس ويسخّرون الحياة كلها ، في ما تملكه من مقدراتها ، لخدمة أهدافهم الشخصية.
(وَلا فَساداً) مما يتصل بالحياة العامة والخاصة للناس ، في ما يخططون ويتكلمون ويعملون. والمراد بالفساد ، الحركة التي توجب الخلل في توازن الفرد والجماعة في دائرة القيم الروحية والإنسانية ، وذلك بالعمل على ظلم الناس وتوجيه حياتهم في خط الباطل ، وإبعاد القيادة العادلة عن مراكز الحكم والنفوذ وإقرار الشريعة التي ترتكز على أساس التمايز في المواقع لخدمة الانحراف بعيدا عن دائرة المساواة في خط الاستقامة ، في المجال الفكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري ، فإن الله يرفض ذلك كله ، ويرفض أهله ، ويريد للناس الذين يتقبلهم في جنته ، ويقبلهم في رضوانه ، أن يعملوا على إصلاح البلاد والعباد في جميع الأمور.
وقد وردت الأحاديث المتنوعة في تطبيق الآية على الواقع ، كما في مجمع البيان عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام أنه كان يمشي في الأسواق وحده وهو دالّ يرشد الضالّ ويعين الضعيف ، ويمر بالبيّاع والبقال ، فيفتح عليه القرآن ويقرأ : (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) ويقول : نزلت هذه الآية في أهل العدل والمواضع من الولاة ، وأهل القدرة من سائر الناس» (١).
وفي الدر المنثور روي عن أبي هريرة عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : «التجبر في
__________________
(١) مجمع البيان ، م : ٤ ، ص : ٣٤٧.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3282_tafsir-men-wahi-alquran-17%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
