لأن حرية الإنسان في أفكاره تنطلق من حرية مواقعه في حركة السلطة غالبا. وكان من المفروض ، أن يكون قارون مخلصا لحرية قومه ولحركة الإيمان الجديدة في حياتهم ، ولكنه لم يكن بالمستوى الأخلاقي الذي يحميه من غرور المال وزهوه ، فترفّع بنفسه عن قومه (فَبَغى عَلَيْهِمْ) وتكبّر ، وحاول أن يربك حياتهم ، ويفسد قيمهم ، مستغلّا قوّته المالية التي تتيح له الحصول على مواقع القوّة والنفوذ في المجتمع. وقد كان حجم ماله كبيرا جدا ، مما سهّل له الحصول على ما يريد من ذلك ، (وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ) التي يخزن فيها أمواله ، (ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) فإذا كانت مفاتيح بيوت المال تثقل الجماعة الملتف بعضها ببعض ، بحيث تزيد على العشرة ، فكيف يكون حجم ما يملكه من مال في ما يمثله ذلك من كثرة هذه البيوت؟!
* * *
قوم قارون يقدمون له النصيحة
(إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) والظاهر أن المراد بالفرح ، ليس الحالة النفسية الهادئة من السرور الطبيعي الذي يحصل للإنسان عند أية حالة من حالات الانسجام مع ما حوله أو مع من حوله ، لأن هذا ليس أمرا سيئا ، من خلال القيمة الإنسانية للمشاعر الخاصة ، بل المراد به البطر الذي يمثل شدّة الفرح في ما يصل به الشعور إلى مستوى الإفراط في الانفعال والتعلق بمتاع الحياة الدنيا ، بحيث يتحوّل إلى هزّة ذاتية في تعبيراتها الكلامية والسلوكية وفي انتفاخ الشخصية بشكل غير طبيعيّ. وهذا المعنى هو ما نستوحيه من قوله تعالى في آية أخرى : (وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ) [الحديد : ٢٣] فإن الظاهر إرادة الحالة الانفعالية من السرور
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3282_tafsir-men-wahi-alquran-17%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
