إهلاك القرى بعد إقامة الحجة عليها
(وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا) أي حتى يقيم عليها الحجة بإرسال الرسول في عاصمة القرى التي يرجع الناس إليها في أمورهم ، وينطلقون منها في انتماءاتهم العقيدية ، وخطوطهم العملية ، باعتبارها ملتقى الأفكار ، وقاعدة القيادات ، وبهذا كانت الدعوة التي يقوم بها الرسول ، منطلق تأمّل وحركة حوار ، وقاعدة حجّة ، حتى لا يبقى لأحد عذر في كفر أو ضلال.
(وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ) بما يأخذون من أسباب الكفر ويتحركون من أوضاع الضلال ، فيظلمون أنفسهم لما يعرضونها له من الانحراف عن خط الاستقامة ومن العذاب في يوم القيامة ، فتكون الحجة من الله عليهم ، ولا تكون لهم حجّة على الله. (وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها) فهي مجرد حاجة طارئة تعيش مع الناس برهة من الزمن ، في ما يستمتعون به منها من شهوات ، وما يتزينون به من زينة ، ثم تتبخر الشهوات مع الموت ، فتموت ، وتزول الزينة ، مع كل غبار العمر ورياح الفناء. (وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى) لأنه النعيم الخالد في جنة الرضوان وفي رحمة الله ورضوانه ، فليس هناك موت يفني النعمة ، وليست هناك طوارئ تزيل الزينة وتفسدها ، (أَفَلا تَعْقِلُونَ) لتفكروا كيف تختارون مواقعكم في ما تختارونه من مواقفكم ، وكيف تميّزون بين ما تبقى تبعته وتزول لذته ، وبين ما يفنى تعبه وعناؤه ويبقى أجره وثوابه؟! وليست المسألة هي أن تتركوا طيبات الحياة ، كأساس للقرب عند الله ، ولكن المسألة هي أن لا تتركوا الإيمان في فكره وحركته ، لتأخذوا
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3282_tafsir-men-wahi-alquran-17%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
