ولهذا فقد كان أمر الهداية القلبية ، بإفاضة الإيمان على القلب ، راجعا إلى الله الذي يهيمن على الإنسان بكل كيانه ويسيطر على أسباب الهداية في الداخل والخارج بكل قدرته (وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) فلا تتعقّد من كفر من كفر ، وضلال من ضلّ ، وانحراف من انحرف ، ولا تحزن من ذلك ، ولا تعتبر أن ذلك يعني فشلا في المهمّة الموكولة إليك ، فقد قمت بأداء رسالتك خير قيام ، ولم يكن ما حدث منهم ناشئا عن تقصير منك ، بل عن عوامل أخرى في داخل التكوين الذاتي لشخصيتهم ، مما تنفعل به وتنطلق معه ، مما يعلمه الله ولا تعلمه أنت ، فهو القادر على الهداية (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) من خلال ما يطّلع عليه من خفايا النفوس ، وغوامض الأسباب.
أمّا الحديث عن كيفية هداية الله للمهتدين الذين يشاء هدايتهم ، فهو من الأحاديث التي لم تأت الآية لتثيرها ، لأن الاتجاه فيها ، هو تأكيد العمق الذي تنطلق منه الهداية مما لا يملك الأنبياء والدعاة إلى الله إلا القليل منه. وتبقى للآيات القرآنية الأخرى أن تتحدث عن عنصر الاختيار الإنساني الذي يلتقي باللطف الإلهي الذي يفيض لطفه على الإنسان الذي يريد بالإيمان ويسعى إليه ، ليكون الإيمان من الله ، في ما هو اللطف منه والأسباب من تدبيره ، وليكون من الإنسان من خلال الفكر والإرادة ، والحركة النابعة من كيانه الذاتي.
وقد تحدثت بعض الروايات عن سبب نزول هذه الآية ، كما رواه في الدر المنثور عن أبي هريرة قال : لما حضرت وفاة أبي طالب ، أتاه النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : يا عماه قل : أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد لك بها عند الله يوم القيامة ، فقال : لو لا أن تعيّرني قريش يقولون : ما حمله عليها إلا جزعه من الموت لأقررت بها عليك ، فأنزل الله عليه : (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ...) (١).
__________________
(١) الدر المنثور ، ج : ٦ ، ص ٤٢٨.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3282_tafsir-men-wahi-alquran-17%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
