والأسلوب القاسي بالأسلوب اللّيّن ، ويواجهون الخلق السيّئ المتحرك في دائرة الجهل ، بالخلق الحسن المتحرك في دائرة العلم ، لأنهم ينطلقون من منطق الواقع الذي يوحي بأن الدخول في المشاحنات الكلامية ، وفي ردود الفعل العملية ، على أساس العصبية والانفعال ، لا يؤدي ـ غالبا ـ إلى النتائج الإيجابية في إيمان الكافرين وفي إقناع المتمردين وفي انفتاح المتعصبين ، بل يزيد الكافر كفرا ، والمتمرد تمردا ، والمتعصب تعصبا ، ويثير المشاعر في أجواء العداوة والبغضاء ، مما يمكن أن يدفعه الإنسان ، بكلمة حلوة ، وابتسامة مشرقة ، وبأسلوب متوازن محبّب (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) فهم ينفقون مما أنعم الله عليهم ، لأنّ ما يملكونه هو لله تعالى (وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ) لأنه لا يحقّق شيئا للكمال الإنساني في فكره وعمله ، بل يندفع بالكلام الباطل الذي لا جدوى منه ولا نفع فيه ، مما تعارف عليه الناس في أوقات فراغهم من لغو القول ، أو في ما يثيرونه في خلافاتهم من سقط الكلام من الهذر والسب والفحش وخشونة القول ، مما يدخل معه الإنسان في متاهات روحية واجتماعية. ولذا يبادر هؤلاء المؤمنون ، إلى مجابهة اللّاغين الذين يريدون أن يجروهم إلى معركة كلامية أو إلى مشادّة ذاتية ، بإغلاق الملف كله ، بالإعراض عن كل ما سمعوه من اللغو الباطل.
(وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ) فليتحمل كل واحد منا مسئولية عمله ، وليرض بنتائجه الإيجابية والسلبية ، فلن يحاسب أحد منا على عمل الآخر ، إلا إذا قصّر في هدايته ، مع تمكنه من ذلك ، ولنترك الحديث الدائر بيننا إذا كان يؤدي إلى مشاجرة ومباغضة ، من دون فائدة أو حاجة إليه.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3282_tafsir-men-wahi-alquran-17%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
