في حالة ارتباك واضطراب ، لأن هدى الله وحده هو الذي يثبّت الأقدام وهو الذي يركّز الخط الصحيح في الاتجاه السليم ، وبدونه يقع الإنسان في قبضة الضلال الذي يظلم به نفسه ، كما يظلم به غيره ، (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) لأنهم أغلقوا على عقولهم أبواب الهداية ، ورفضوا الوحي القادم من الله الذي يهديهم إلى سواء السبيل ، وبذلك كانوا رافضين للهدى النازل عليهم من الله.
(وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ) أي أنزلنا عليهم القرآن ـ وهو القول الإلهي ـ موصولا بعضه ببعض ، متتابعا لا انقطاع فيه ، في تواصل زمنيّ فكريّ بين الآية والآية ، وبين السورة والسورة ، في مضمون فكريّ روحيّ ينفذ إلى عمق العقل والحسّ والحياة ، ويخاطب كل اهتماماتهم الفردية والاجتماعية ، في ما يحبونه ويكرهونه ويحذرونه من مستوى حاضرهم ومستقبلهم ، (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) فلا يندفعون في عمل لا يعرفون صلاحه ، ولا ينطقون بكلمة لا يعرفون صدقها ، أو ينطلقون في علاقة لا يعرفون شرعيّتها على أساس من غفلتهم عن ذلك كله. فإن مشكلة الانحراف الإنساني في كثير من مظاهره ، هي مشكلة الغفلة التي تحجب وضوح الرؤية في كثير من الأشياء ، مما يؤدّي إلى الاستغراق في الشهوات والنوازع الذاتية ، من دون التفات إلى النتائج السلبية المترتبة عليها على صعيد قضايا الدنيا والآخرة.
ولذلك كان الاهتمام القرآني باللمسات الروحية والفكرية التي تلامس العقل والروح والشعور ، لتفتحها على الله من أوسع الآفاق. ولكن بعض الناس لا يواجهون القرآن بالاهتمام الجدّي ، بل يواجهونه باللامبالاة في قراءته ، وفي تدبّر معانيه ، وفي استلهام وحيه في قضايا الحياة كلها ، فيكفرون به ، وبحقائق العقيدة والشريعة فيه ، بينما نجد بعض الناس يؤمنون به من موقع الوعي المنفتح على كل كلمات الحقيقة فيه ـ وكلّ كلماته حقيقة ـ ، كما نجد ذلك في بعض مؤمني أهل الكتاب الذين لم يرتبطوا بالكتاب من موقع الانتماء القائم
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3282_tafsir-men-wahi-alquran-17%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
