الجهات .. وتلك هي نتائج العقلية المستكبرة التي تعمل على اضطهاد الحقيقة عند ما تتحرك في مواقع المستضعفين ، أو تهدد مواقعهم في سلطانهم ، أو تدعوهم إلى التنازل عن امتيازاتهم ، فيعيشون الصراع الداخلي بين قوّة الحقيقة في منطقها ، وضغط الامتيازات في مطامعهم ومطامحهم ، بالإضافة إلى احتقار الآخرين في دوائرهم الصغيرة الضعيفة ، فيتغلب عليهم طابع الاستكبار ويدفعهم إلى العناد الأعمى الذي يبحث عن ذاته ، فيعمى عن رؤية الحق في داخلها ، أو يتعامى عن ذلك ، فلا يدرك النتائج التي تهدد مصيره ، فيبقى مستغرقا في اللحظة الحاضرة فلا يفكر بالمستقبل.
وهكذا كان فرعون وجنوده الذين خيّل إليهم ، في حالة غياب الوعي عن وجدانهم ، واستغراق الشهوات في تفكيرهم ، أنهم خالدون في الدنيا ، وذلك في ما حدثنا الله عنهم بقوله : (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ) ولكنه ليس الظن الذي ينطلق من موقع الشبهة كما لو كانوا يعيشون مشكلة فكرية تتحدى فكر الإيمان ، بل هو الظن الناشئ من حالة الغفلة المستغرقة في أجواء اللّاوعي الغارق في الأطماع والشهوات ، مما يجعلهم يوحون بذلك من خلال حركتهم مع الناس على نهج قوله تعالى : (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ) [النمل : ١٤] ، (فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِ) بعد جولة طويلة من الصراع الذي خاضه موسى معهم ، ومن المعاناة التي عاشها في مواجهتهم ، وبعد استغراقهم في الغيّ والضلال والطغيان ، فأغرقهم الله في البحر. وانتهت بذلك أسطورة فرعون الذي لم يعرف قدر نفسه ، في حقارتها البشرية ، أمام عظمة الله ، فأعلن نفسه للناس إلها من دون الله ، (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) الذين مهما امتد ظلمهم ، فإنه لا يملك القدرة على البقاء ، لأنه لا يملك عمقا في معنى الحياة ، بل يمثّل عدوانا عليها ، مما يجعلها تخضع له في وقت ما ثم تضمّه في غيابات الموت ليبتعد عن الإساءة إليها ، فلا يبقى منه شيء.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3282_tafsir-men-wahi-alquran-17%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
