الإلهية الروحية التي توحي له بالأمن والطمأنينة : (يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِين) فلم تكن المسألة هي أن يثير ذلك في نفسك الرعب ، بل لتكون آية لك على أنك في الموقع الذي تتحرك فيه بقدرة الله ، ولتشعر بالقوّة في مواجهة التحدي الكبير الذي ينتظرك ، في ما ينتظرك من رسالة وإبلاغ.
(اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) أي في صدرك (تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) الذي هو البرص ، (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ) أي يدك ، أو عضدك (مِنَ الرَّهْبِ) أي الخوف ، وذلك بأن يجمع يديه إلى صدره إذا عرض له الخوف .. وربما كان المراد به أن «يأخذ لنفسه سيماء الخاشع المتواضع ، فإن من دأب المتكبر المعجب بنفسه أن يفرّج بين عضديه وجنبيه كالمتمطي في مشيته ، فيكون في معنى ما أمر الله به النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم من التواضع للمؤمنين بقوله : (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الحجر : ٨٨] على بعض المعاني» (١) ، كما جاء في تفسير الميزان ، ولعل المعنى الأول أقرب ، وذلك من خلال تقييد خفض الجناح بقوله (مِنَ الرَّهْبِ) مما يوحي بأنها من متعلقات النهي عن الخوف ، والله العالم.
(فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ) لتقدمهما إليهم في بداية الدعوة إلى الله التي تنطلق بها ، لتهديهم إلى سواء السبيل ، ولتبدأ عملية التحدي لجبروت فرعون وطغيانه ، في الموقف الرسالي الذي أعدك الله له من أجل أن تخرج الناس من الظلمات إلى النور ، وتخلصهم من هذا الجوّ الظلامي الذي يثيره فرعون في حياة الناس ، ويؤكده قومه في حركتهم معه في تثبيت قواعد الكفر والطغيان (إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ) في فكرهم وشعورهم وسلوكهم في الحياة.
* * *
__________________
(١) تفسير الميزان ، ج : ١٦ ، ص : ٣٤.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3282_tafsir-men-wahi-alquran-17%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
