أمام الله بأن يقابله بالشكر المتحرك في خط توجيه النعمة في طاعته ، لا في معصيته ، على الخط الذي عبر عنه الإمام علي عليهالسلام بقوله : «أقلّ ما يلزمكم لله أن لا تستعينوا بنعمه على معاصيه» (١).
وكان لهذا الحدث تأثير مباشر على نفسية موسى عليهالسلام في حركته الأمنية في المجتمع ، حذرا من الأجواء العدوانية الفرعونية ضدّه.
(فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ) الشرّ من خلال ثأر قوم القبطي لقتيلهم ، وهنا كانت المفاجأة التي تنتظره لخوض تجربة جديدة مماثلة للتجربة الماضية ، (فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ) من قومه (يَسْتَصْرِخُهُ) لينتصر له في معركة جديدة مع شخص آخر من الأقباط ، في نداء استغاثة مؤثّر ... ولم يستجب موسى له ، فقد استوعب التجربة السابقة ، واحتوى نتائجها في فكره وشعوره ، فقد لا يكون المستغيث دائما مظلوما ، بل قد يكون صاحب مشاكل يتحرك في عملية الإثارة للنزاع والخلاف على أساس حدّة طبعه ، أو رغبته في العدوان ، فكيف يمكن له أن يستجيب له؟! وإذا كان موسى قد اندفع سابقا للانتصار له ، فليس ذلك من موقع الانتصار للقريب ، بل من موقع الاعتقاد بأنه مظلوم من قبل القبطي انطلاقا من دراسة طبيعة الأشياء في موازين الضعف والقوة. ولكن المسألة الآن هي أن صاحبه يدخل في خلاف جديد ، مما يوحي بأنه رجل يتعمد المشاكسة مع الآخرين ، وقد يكون انتصار موسى له أغراه في ذلك.
(قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) فإنك لا تسلك طريق الرشد الذي يفرض على الإنسان أن يحلّ الأمور بالتي هي أحسن ، بعيدا عن العنف ، أو أن يبتعد عن الدخول في القضايا التي تثير الخلاف من حوله ، (فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما) ليدفعه عن صاحبه ، لينهي المعركة بسلام أو ليواجه عدوانه بطريق القوّة ، بعد أن امتنع عن الابتعاد عنه ، (قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ
__________________
(١) نهج البلاغة والمعجم المفهرس لألفاظه ، قصار الحكم / ٣٣٠ ، ص : ٤٠٢.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3282_tafsir-men-wahi-alquran-17%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
